أعطوا هذا الشعب حريته ودستوره


أعطوا هذا الشعب حريته ودستوره
 22/09/2017 14:02

*عدن ، ١٩٥٠-  كثرت التكهنات حول مستقبل اليمن بعد أن شاع بأن منجماً كبيراً أو مناجم كبيرة للذهب قد ظهرت في لواء الحُجَريّة وأن الدراسة والأبحاث قد دلت على وجود عدد غير محدود من مناجم الفحم والحديد والبترول في بقاع متفرقة من أرض الوطن الأخضر السعيد… وأن وزير أمريكا المفوّض في جدة - وقد زار تعز  حاملاًتوصية من جلالة الملك ابن سعود - قد تحصّل من حكومة جلالة الإمام وإخوانه على موافقة لمنح الشركات الأمريكية امتيازات تخوّلها استغلال هذه المناجم والكنوز. 

وقد انقسم الرأي العام اليمني - في الوطن والمهجر - إلى فريقين. فريق يرى أن تسارع الحكومة الحاضرة إلى إبرام اتفاقية مع الولايات المتحدة لاستخراج هذه الثروة على أيّه صورة وبأي شكل. ويتكون أصحاب هذا الرأي من طبقة العمال الذين سئموا حياة التشرّد والإغتراب و التسكّع والبطالة التي سببها لهم عدم وجود أعمال تدر عليهم لقمة العيش في البلاد وما دامت هذه الاتفاقية والامتيازات ستملأ لهم ولو نصف بطونهم! من وراء الإشتغال مع الأمريكان وتكفل لهم البقاء بين عائلاتهم وأهلهم فإنهم يرحبون بها كل الترحيب ثم لاشيء يهمهم بعد ذلك. 

والفريق الثاني - ويتكون من طبقة المدركين بعيدي النظر الأذكياء - يتخوفون من عواقب هذه الاتفاقيات والامتيازات ويشكّون في فائدتها! إذ أن السياسة العالمية أصبحت في الوقت الحاضر ترتكز على مصالح الوقود من فحم وبترول ومنتجات البترول. ويخشى أن تؤثر الأطماع والمنافسات الدولية على مصير اليمن و كيانها واستقلالها.

ثم إن الشعب اليمني - كما لايخفى - شعب جاهل مضطهد ضعيف ... لا يقوى على السير بنجاح في الوضع الفجائي الجديد الذي يتطلب القوة والحرية والعلم والإستقرار.. زد على ذلك أن الحكومة القائمة في اليمن حكومة ضعيفة جامدة لاتفهم من السياسة وأحابيلها شيئاً ولايمكن أن يوجد فيها شخص واحد يصح أن يوصف بالخبرة السياسية والدبلوماسية التي تدار بها شؤون الأمم في العالم اليوم وحكومة كهذه لاتصلح أن تفاوض الولايات المتحدة القوية الغنية الحاذقة التي برهنت في اتجاهها الأخير إلى اليمن بأنها تطلب - قبل الذهب والبترول - ضعف الحكومات و غباء الشعوب. فلو تحصل الأمريكان من مسئولي اليمن على هذه الامتيازات وأعطيت لهم مفاتيح هذه الكنوز. فإن بلادنا ستخسر الكثير والكثير جدا وستنال أمريكا أكثر مما تؤمل أن تناله على حساب الشعب اليمني المسلوب الإدارة الجائع الفقير. ولن يكون أفراد هذا الشعب لدى الأمريكان أكثر من عُمّال وأُجراء ولن ينعم بأرباح هذه الصفقة وقيمة هذه الثروة وثمن هذا الذهب والبترول غير أفراد الحكم من حملة السياط وسكان القصور… كما هو الحال تماماً في الحجاز، الوطن الشقيق القريب! 

وإذا كانت حكومة الأفراد الحاضرة اليوم في البلاد ستقول بانها تقصد من وراء إعطاء هذه الامتيازات للأمريكان إدخال الإصلاح إلى البلاد!  فإنهم - أي أصحاب الرأي الأخير - يؤكدون بأن النتيجة ستكون معكوسة على طول الخط، وعرضه ايضاً! وأن مثل هذا الاتجاه لن يكون إلا في مؤخرة برامج الإصلاح الضروري للشعب أو في وسطها على أقرب تقدير وبعد فإن الشعب اليمني - في الوقت الحاضر في حاجة ماسة إلى حكومة دستورية شعبية منظمة أكثر من حاجته إلى الفحم والبترول والحديد فإذا وجدت هذه الحكومة الصالحة أمكن الاطمئنان إلى تصرفاتها واتجاهاتها حتى ولو في مفاوضات مع الشيطان! اذ أنها لن تعمل شيئاً إلا لصالح المحكومين الذين تمثلهم وتتمتع بثقتهم وليست كالحكومة الفردية التي تُساوِم اليوم في ثروة الشعب وكنوز الوطن ومستقبل الأمة لصالح الأفراد. 

إن إصلاح نظام الحكم في اليمن يجب أن يسبق امتيازات الحديد والذهب والفحم والبترول فمن الخطأ أن يُساوِم الأمريكان على ثروة هذا الوطن وكنوزه سلطة لايعترف بها الشعب مختاراً ولا يعرفها إلا بالكرباج...وكل اتفاقية تعقدها حكومة لا تتمتع بثقة شعبها تعد لاغية هكذا يقول القانون الدولي! وهو مايقوله بلا شك قانون جمهورية الأمريكان. فليعطَ الشعب اليمني حريته ودستوره ليعبر عن رأيه في هذه الإمتيازات التي ستقرر مصيره لأجيال و ليطلق لسانه المعقول ليقول كلمته فهو وحده مالك الكنوز وهو وحده صاحب الشأن!



*بقلم عبدالله عبدالوهاب نعمان، نُشر المقال في الأول على صحيفة الفضول في العام ١٩٥٠. 

* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.