خوذة.. الهروب من الواقع



*يدعو فيلم الخيال العلمي القصير "الخوذة" من إخراج صانع الأفلام اليمني أسامة خالد مشاهدي الفيلم إلى رحلة هروب من الواقع المأساوي الذي تمر به اليمن، من خلال ال "خوذة" والنهاية غير المتوقعة.



تصوير: يمن أرت بيز.


"فيلم خيال علمي يمني" وصف مثير للإنتباه في إعلان عن عرض الفيلم اليمني (خوذة Helmet) الذي أنتجه فريق فني من الشباب المبدعين، في وقت تعاني فيه اليمن من حرب بطيئة لا تنتهي، ووضع اقتصادي منهار تماماً، وعجز تام في البنية التحتية، كانعدام الكهرباء وتكلفة الإنترنت العالية، وصعوبة السفر والتنقل والحصول على المعدات وأدوات التصوير المناسبة، وكذلك الوضع الأمني المتوتر الذي يقيد حرية الحركة والتعبير.


هلاالمخرج أسامة خالد في فعالية عرض فيلم (الخوذة) في صنعاء في يمن أرت بيز - مارس ٢٠١٨.


ال (خوذة) والنهاية غير المتوقعة


يبدأ الفيلم الذي أخرجه الشاب أسامة خالد بمشهد أصبح يتكرر في معظم الأفلام الشبابية اليمنية التي نشاهدها مؤخراً، مشهد الخراب والدمار على خلفية الحرب التي تنهي عامها الثالث في اليمن.

في الفيلم القصير (خوذة) الذي لم تتجاوز مدته عشر دقائق ظهرت الأحداث بتكثيف وتركيز مدروس، لقطة خاطفة لكومة من الحطام يبدو أنها مخلفات بيوت تم قصفها، وصحيفة كتب على صفحتها الأولى: "الحرب في اليمن.. كارثة إنسانية".

يظهر بعدها البطل في غرفته التي صنع فريق الفيلم تفاصيل ديكورها بدقة واهتمام بالغين، حيث استمر إنتاج الفيلم ما يقارب عامين كاملين، كما يقول مخرج الفيلم.

يبحث البطل عن مهرب مما يدور حوله بين جدران غرفته الممتلئة بأوراق وأقلام ولوح كتابة تغطيه المعادلات الرياضية، ومن النافذة يتسلل دخان الحرب الذي يغلق طريق الهروب على أرض الواقع، لهذا يحاول أن يصنع المهرب بنفسه بدلاً عن البحث عنه أو انتظاره.

يخترع بطل الفيلم -الذي أدى دوره المخرج أسامة أيضاً- خوذة تنقله إلى عالم افتراضي جميل يعيش فيه لثوانٍ قبل أن يرتطم مرة أخرى بالواقع المرير حين ينتهي الوهم، فيقرر صنع خوذة أخرى أكثر كفاءة لتكون النهاية غير المتوقعة.

في عرض الفيلم ونقاشه الذي دار في مؤسسة بيسمنت الثقافية في 10 مارس 2018 طالب بعض المشاهدين بنهاية مقنعة، حين لم ترضهم النهاية المفتوحة للفيلم، وقد يعكس هذا حالة الإحباط التي تدفع الناس إلى البحث عن حل ولو كان خيالاً، إلا أن كاتب سيناريو الفيلم أكد أن النهاية المفتوحة تسمح للمشاهد بتخيل النهاية التي يريد، أكانت سلبية أم إيجابية.


إفتتاحية عرض فيلم (الخوذة) في صنعاء في يمن أرت بيز - مارس ٢٠١٨.  


فيلم يمني


كاتب سيناريو الفيلم محمد خالد كان قد أخرج قبل أشهر مسرحية بعنوان (فيلم يمني) أظهر فيها معاناة صناع الأفلام اليمنيين الشباب عند إنتاج أعمالهم الخاصة، والصعوبات التي يواجهونها في تنفيذ أعمالهم وأكبرها الحصول على دعم لها من المنتجين، ويبدو أن فيلم (خوذة) قد طبق ما جاء في المسرحية. حيث تحدث المخرج أسامة عن قصة إنتاج فيلمه الذي بدأ بفكرة استوحاها من واقع المعاناة في اليمن، حيث فكر الجميع في وقت ما أثناء الحرب بالهروب والإبتعاد عن كل ما يحدث إن وجدوا الفرصة.

بحث بعدها أسامة عن فريق عمل مؤمن بفكرة فيلم كان يتمنى أن يكون طويلاً إلا أن الظروف في صنعاء لم تسمح بسهولة التنقل مع أدوات التصوير وفريق العمل، لهذا توقف تصوير الفيلم عدة مرات. تشكلت خلال الوقت فكرة الفيلم واتضحت معالمه بإنضمام شباب يعملون في مجال تقنيات الغرافيكس والأنيميشن والإليستراتور لإضافة مؤثرات بصرية ساعدت على إظهار فيلم الخيال العلمي بصورة فنية مناسبة، كما بُذل جهد كبير في إنجاز الديكور الذي تم عرض قطع منه بطريقة مبتكرة عند عرض الفيلم، بتقديمها في معرض مرافق للفعالية لمس فيه الجمهور الخوذة التي كانت بطلة الفيلم الصامت.


في فعالية عرض فيلم (الخوذة) في صنعاء في مؤسسة بيسمنت - مارس ٢٠١٨.


 العالم الافتراضي


الهروب من الواقع، ورمزية الخوذة التي مثلت المهرب الوحيد الذي أصبح متاحاً بعد إغلاق كل طرق الهروب في وضع مأساوي تمر به اليمن، حيث لم يعد هناك سوى الخيال، وقد تكون لكل منا طريقته الخاصة للهروب مما يحدث، وربما لجأ الكثيرون إلى العالم الإفتراضي كما يقول المهندس محمود يعقوب الذي حضر عرض الفيلم وتحدث عن تجربته الخاصة في بداية الحرب والصدمة التي أحدثتها، لهذا لجأ إلى تقنية الواقع الافتراضي Virtual Reality التي تستخدم فيها خوذة تنقل المستخدم إلى عالم ثلاثي الأبعاد عن طريق المحاكاة التي تعتمد على حركة اليدين، رغم صعوبة الحصول على القطع المطلوبة لهذه التقنية في اليمن، وبعد فترة قرر محمود ترك العالم الافتراضي وصنع الواقع بإطلاق الخيال خارج الخوذة بدلاً عن الهروب منه كما يقول.

نقل الفيلم فكرة سيكولوجية عن رد الفعل تجاه الكوارث، فحسب نموذج (كيوبلر روس) (Kübler-Ross model)  تمر الصدمة بخمس مراحل، وهي: الإنكار والهروب، ثم الغضب والثورة، تليها المساومة والتفاوض، يأتي بعدها الاكتئاب والشعور بالعبثية، وفي النهاية تصل إلى مرحلة التقبل والتفهم، ويبدو أننا في اليمن ما زلنا عالقين في المرحلة الأولى.


خطوة أولى


تحدث فريق العمل عن فيلم قادم طويل سيكون فيلم خيال علمي أيضاً يتناول فكرة مشابهة بتفاصيل أكثر، وقد بادر بعض المنتجين الذين حضروا عرض الفيلم بدعمهم لفريق العمل في عملهم القادم، مما عكس مشهداً إيجابياً لتشجيع المواهب الشابة التي ربما تحتاج إلى بعض الجهد فقط لوضع أقدامها على الطريق وإثبات قدرتها على تقديم منتج ناجح يستحق الاهتمام.



*صنعاء - سحر عبده

التعليقات: اترك تعليقا

* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.