قراءة في الشعر الحُميني (الجزء الثاني)


في مقالها السابق، الجزء الأول، وصفت سارة البردوني نبذة عن الشعر الحميني وأهم شعراءه. في هذا الجزء الثاني والأخير تتعمق أكثر سارة في بحور الشعر الحُميني وعلاقته بأهم رموز الغناء اليمني.


منذ عقود طويلة كانت اليمن ولّادةً على الدوام للفن الموسيقي و الأدبي، فقد وهب اليمنيون الثقافة العربية موروثاً أدبيّاً رائعاً وخالداً من أغانٍ وقصائدَ شعريّة كانوا يتغنون بها في كل موطنٍ حلوا به قبل الإسلام وبعده. 

فن الغناء الصنعاني

اتكأَ فنُ الأغنيةِ الصنعانية منذ نشأته على موروث هائل من الثقافة الفنية و الإجتماعية في اليمن، ونظراً لما تفرّد به هذا الفن من الخصائص الفنية و الموسيقية حظي باهتمام العديد من الباحثين الغربيين امثال جورج كولان و جوليان دوفر و الباحث جان لامبير الذي اصدر كتاباً قبل سنوات بعنوان "طب النفوس .. فن الغناء الصنعاني" وهو كتاب يحمل النظرة الغربية تجاه هذا الفن العريق الذي استهوى الكثير، وكتاب لامبير واحد من عشرات الكتب التي بحثت في تاريخ الغناء الصنعاني على رأسها الكتاب الموسوعي "شعر الغناء الصنعاني" للدكتور الباحث محمد عبده غانم الذي يعرّف الأغنية الصنعانية بقوله "هي أغانٍ صادرة من صنعاء او مستلهمة منها وهي تعرف بما لها من مميزات موسيقية معينة تميّزها عن غيرها من الاغاني اليمنية." وفي السابع من شهر فبراير من العام ٢٠٠٣م ادرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم "اليونيسكو" فن الغناء الصنعاني الى قائمة روائع التراث العالمي الشفهي غير الملموس.

تميّز فن الغناء الصنعاني ببنية مستقلة بدايةً من صناعة الكلمات الى استخدامه لآلات موسيقية خاصة محلّية الصنع، القنبوس أو الطربي وهو العود الصنعاني القديم ذو الأربعة أوتار، الذي ارتبط ارتباطاً تاريخياً بالأغنية الصنعانية وميّزها بإبقائها في المدى المحدود من الأنغام الموسيقية التي يمكن أن تعزف على العود ويمكن استنتاج ذلك من أنّ أغلب الأغاني الصنعانية يمكن عزفها على الأوتار الثلاث الأولى للعود في مدى إحدى عشر نغمة من الخمسة عشر نغمة.

ومن خلال نقوش ورسوم سبئيّة قديمة يُرجِع بعض الباحثين أنّ عمر هذه الآلة يعود الى الألف الأول قبل الميلاد.

يصاحب آلة الطربي صحن نحاسي يعتبر آلة ايقاعية يتم عزفها عبر نقره بالأصابع لتشكيل الإيقاع. ارتبطت هذه الآلات الموسيقية بالغناء الصنعاني منذ نشأته على بلاط الدولة الرسوليّة قبل حوالي خمسة قرون لكفاءتها في أداء الأغاني الصنعانية بتناغم إلى وقت قريب حتى تم استبدالها بالعود و الآلات الحديثة.[#]


وفي الحقيقة يصعب تحديد نشأة الغناء الصنعاني لعراقته فقد عرفت اليمن بموسيقاها منذ عصور قديمة، فإن تتبعنا صفحات التاريخ في العصر الاموي وفي مستهل العصر العباسي  لن نجد من بين كبار العازفين و المغنين ذلك الوقت من عزة الميلاء الى اسحاق الموصلي من يأتي من جنوب الجزيرة الا " ابن طنبورة " يمني الأصل الذي امتاز بأغاني الهزج1. لكن بسبب النظرة المتزمّتة التي كان ينظرها رجال الدين نحو الموسيقى ذلك الوقت ظل الفراغ يلازم سجل الموسيقيين اليمنيين  ولم تبرز اسماء ارباب العزف والغناء حتى في سجلات عصر الدولة الرسولية التي لا تخلو احتفالاتها من فن الموسيقى وفن الرقص.

وعادةً ما يحمّل اليمنيين مسؤولية هذه النظرة لفترة حكم الأئمة لليمن التي ضيّقت الخناق على الغناء والمغنيين و فرضت عقوبات مشددة على الموسيقيين تبعاّ لفقة الحسبة الزيدي. ففي عهد الإمام يحيى حميد الدين (١٩١٨- ١٩٤٨) قام بمعاقبة الفنانيين والتشهير بهم2 حتى صارت جلساتهم لا تتم الا بسريّة تامة، وربما هذا يفسر صغر حجم آلة الطربي ليتنقل بها الفنان بسهولة دون لفت الأنظار.

بين الحُميني و الحَكمي

لفترة من الزمن فضّل الكثير في اليمن قصائد الشعر الحكمي وهو الشعر الفصيح الذي يلتزم بقواعد اللغة الفصحى ومفرداتها وعروضها، على الشعر الحُميني الفصيح الملحون الذي لا يلتزم بقواعد اللغة الفصحى. وظلّ البعض ينظر الى القصيدة الحُمينية نظرة دونية كونها لا ترقى إلى قول المثقفين و النخبة، بحجة انها خرجت من الريف من بين عامة الناس و اقلّهم مكانة. لكن سرعان ما تغيرت هذه النظرة بعد أن برزت شخصيات هامة كتبت القصيدة الحُمينية مثل محمد شرف الدين، ابن فليتة، العنسي، و الآنسي فشكّلت كتاباتهم دفعة قوية للقصيدة الحُمينية و غدا عصرهم عصراً ذهبياً لها ومثلت نسبة كبيرة من الأغاني الصنعانية متخطيةً بذلك القصائد الحكمية.

احمد محمد بن فليتة الحكمي

يعتبر ابن فليتة من روّاد القصيدة العامية في اليمن و احد أشهر مؤسسيّ هذا النوع من الشعر. كان كاتباً للإنشاء وشاعراً للدولة الرسولية على زمن الملك المجاهد علي بن يوسف بن رسول ثالث ملوك الرسوليين. 

له ديوان شعري يقع في مجلدين الأول خصصه للشعر الحكمي، والثاني للحُميني. وجمع انواعاً كثيرة من الشعر العاميّ في اليمن مثل البالة و الساحلي و الدوبيت والموشحات. و اسهم ابن فليتة في الغناء الصنعاني بقصيدة مغنّاة يقول مطلعها: 

* لي في ربا حاجز غُزيل أغيد ساجي الرنا

نهده على قده يقدني قدّه اذا انثنى*


عبدالله بن ابي بكر المزّاح

ثاني شعراء القصيدة العامية الرواد تاريخياً في اليمن واقواهم شاعريّة، واكثرهم تأثيراً فيمن جاء بعد جيل الرواد فقد كانت قصائده نموذجاً يسير عليه كل ناظم. ويعترف محمد ابن شرف الدين (القادم ذكره احد الشعراء الكبار بتأثير المزّاح عليه ويستحسن شعره ويفضّله على شعر فليتة و العلوي ومن نهج نهجهم في نظم الحُميني. 

و له قصيدة وحيدة مغنّاة على الطريقة الصنعانية مطلعها:

* ياغص ما يس ياقمر مصور في حندس الفينان

جل الذي انشاك كذا وصور يافاتني سبحان*


ابو بكر العيدروس

شاعر متصوف من أقطاب الصوفية في اليمن، امضى الجانب الأكثر من حياته في عدن و كان كبير الأولياء الصوفية فيها. من قصائده الحمينية قصيدة "حي روضة" التي تغنى بها الحارثي

* حي روضة بها رسول قلبي سكّان

قد علاها البهاء و المسرة افنـان *


 علي بن محمد العنسي

شاعر تحول عنده الشعر الى غناء و الغناء الى شعر. ولد في صنعاء ونشأ في مدينة العُدين وهي مدينة ريفية تقع في الشمال الغربي لمدينة تعز، وولاه الإمام يحيى حميد الدين القضاء في العدين و وصاب و الحَيمَة، فقبل ان يشتهر بتفوقه في الشعر، اشتهر بتفوقه في مجال علوم الشريعة وفي تدريس هذه العلوم. وقد مكنته ثقافته الواسعة من اصطناع لهجة عامية تجمع بين الفصاحة و الرقة، بين البساطة و التعقيد، ليس عنده الانفصام الظاهر في افتعال العامية كما في بعض قصائد شعراء الحميني، فالعامية عند العنسي تبدو وكأنها جزء من الفصحى او كأن الفصحى جزء منها. وقد خرج من ذلك المزيج ومن الامتلاك المطبوع للهجة و اللغة معًا بشعر لا ينفر منه الفصيح ولا يستعصي فهمه على العامي. 

له عدة قصائد غنائية لكن اكثرها شهرةً قصيدة "وا مغرد بوادي الدور" التي تغنّى بها عدة شعراء من اليمن و الخليج ابرزهم الفنان الكبير ابوبكر سالم رحمه الله.

عبدالرحمن بن يحيى الآنسي

شاعر رقيق الطبع و لامع الحرف، ثالث الثلاثة الكبار من شعراء العامية في اليمن و اوسعهم شهرة في عصره وعصرنا، ولشهرته الواسعة تنسب اليه اشعار زميليه الكبيرين ابن شرف الدين و العنسي واشعار آخرين ممن سبقوه و ممن جاءوا بعده. وتعود شهرة الآنسي - في عصرنا- الى انتشار بعض قصائده الغنائية المتداولة شعبيًا والتي حققت نجاحًا منقطع النظير في مختلف الاوساط. 

من قصائد الآنسي الشهيرة المغنّاة بكائية ياحمامي أمانة مادهاك:


و قد تكون قصيدة "أحبة ربا صنعاء" التي غناها فقيد اليمن ابو بكر سالم اشهر قصائده.


محمد عبدالله شرف الدين

يبقى شرف الدين شاعر الحُميني الأول الغني عن التعريف الذي سبق وتكلّمت عنه في الجزء الأول. هو أكثر شعراء الحميني عطاءً للأغنية الصنعانية، فقصائده تشكّل حوالي نصف الشعر الحُميني المغنّى في الغناء الصنعاني فهو من أحسن ناظميّ هذا النوع من الشعر. كما انه اول من استخدم القصة و الحوار في القصيدة الحُمينية. له العديد من القصائد المغنّاة لكن نذكر اجملها و اكثرها شهرة قصيدة "عليك سمّوني" التي تغنت بها اصوات يمنية لامعة بألحان مختلفة ابتداءً بالمرشدي و الحارثي و وصولاً إلى حسين محب.


قصائد حُمينية لشعراء مغموريين

خلّدت بعض القصائد الحمينية المغنّاة لشعراء يمنيين مغمورين، ولاقت شهرةً واسعة في اليمن و خارجه عندما تغنّى بها الكثير من الفنانيين اليمنيين و الخليجيين وبعضها نُسب الى شعراء آخرين كما هو الحال مع الاغاني والالحان اليمنية القديمة. من هذه القصائد قصيدة "الشوق أعياني" التي كانت عنواناً لألبوم الفنان الراحل محمد حمود الحارثي عند اصداره في ٢٠٠٥، تعود هذه القصيدة للشاعر اليمني يحيى ابراهيم جحاف  وغناها الشيخ أحمد سعيد قعطبي و أيوب طارش و محمد سعد عبدالله و الحارثي.


ايضًا قصيدة الفقيه مهير الزبيدي الناس "ياريم عليك أقلقوني" التي غناها الفنان ايوب طارش و الفنان محمد عبده. 


و قصيدة الشاعر الحسن الهبل المتوفي سنة ١٦٦٩م "ياقلبي المضنى" التي غناها الشيخ الراحل علي ابوبكر باشراحيل، و كانت اول اغنية يؤديها الفنان علي الآنسي عزفًا و غناء. 


يعود فضل ظهور هذه القصائد و انتشارها بين اليمنيين و تحقيق نجاح منقطع النظير الى الأصوات اليمنية الشجية التي برزت في الأربعينات و الخمسينات كـ ابراهيم الماس، علي ابوبكر باشراحيل، هادي سبيت، احمد عبيد القعطبي و قاسم الأخفش. ثم يصل هذا الإمتداد العريق لفن الاغنية الصنعانية الأصيلة الى فترة الستينات و السبعينات و رموز هذه الفترة: علي الآنسي، أحمد السينيدار، أيوب طارش، محمد حمود الحارثي، محمد مرشد ناجي "المرشدي"، وعلي عبدالله السمة.

وبذلك فإن التراث الغنائي الصنعاني بخصائصه و اصالته تعود جذور مدرسته الحُمينية إلى ثمانية قرون و اكثر و استطاع بآفاقه الواسعة تحقيق مكانة وبصمة خاصة في التراث العربي الكبير، وقد تغنى به وبـحُمينياته الكثير من فناني الجزيرة العربية، ولا ننسى ايضاً دوره الكبير في ولادة الأغنية الخليجية.


*بقلم: سارة البردوني - اليمن @albradoni 


1. قبل الإسلام اشتهرت في الجزيرة العربية مغنيتان من اليمن هما تعاد وتماد وكانتا من عاد اليمنية، وبعد العصر الجاهلي اشتهر في المدينة مغني من اليمن اسمه طُويس، من العصر العباسي لم يشتهر مغني يمني خارج اليمن غير ابن طنبورة.

2.  ساهمت الكثير من العوامل في انقطاع الغناء في شمال اليمن منها التدين و رواج فنون اخرى مثل فن الانشاد الديني،  فقلّت التجارب الغنائية ومال الكثير للإنشاد. لكن في عصر الإمامة و فترة حكم الامام يحيى حميد الدين  تحديداً مُنع الغناء بشكل كامل وفرضت عقوبات صارمة على الموسيقيين وصل بعضها الى السجن المؤبد. حينها هاجر معظم الفنانيين الى عدن واكملوا مسيرتهم و البعض الاخر ترك الغناء خوفاً من عقوبات الأئمة.


- المراجع : 

كتاب شعر العامية في اليمن -عبدالعزيز المقالح

كتاب رحلة في الشعر اليمني قديمه و حديثه - عبدالله البردوني 

كتاب جذور الشعر النبطي- محمد العرفج

مدونة شفيق الغرباني

مدونة أغاني يمنية

مدونة جمال السيد 

مجموعة مقالات حول شعر الغناء الصنعاني

مقالات حول ندوة "الغناء الصنعاني جذور و آفاق"

التعليقات: اترك تعليقا

* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.