مقاهي صنعاء: آخر المساحات الآمنة لنسائها



*ظهرت المقاهي في صنعاء منذ وقت طويل، واتخذت شكل المقاهي الشعبية التي تقدم الشاي على مقاعد الرصيف، حيث كانت مخصصة للرجال فقط. وقد اشتهرت بعض المقاهي أو ما يسمى "البوفية"، وصنع بعضها اسماً مميزاً في ذاكرة المثقفين والفنانين في البلاد. إلا أن المقاهي بشكلها الحديث لم تظهر إلا في العقد الأخير، حيث اتخذت مظهراً فخماً ذا خصوصية وشخصية جديدة بعيدة بعض الشيء عن الهوية اليمنية البسيطة التقليدية. وقد سبقت إلى مقاعده الأولى الفئة المقتدرة مادياً من الطبقة الأكثر انفتاحاً، قبل حدوث التغيرات اللاحقة في المجتمع التي أتاحت المقاعد لفئات أخرى.

 شكل جديد للحياة

ظهر أثر المقاهي على شخصيات الكثير من مرتاديها، وأذابت الحواجز النفسية بين فئات المجتمع المختلفة، في الاعتياد على الجلوس في مكان يضم الجميع من نساء ورجال وكبار وصغار، من مختلف التوجهات والمستويات الثقافية والاجتماعية، صنع تقبلاً وألفة لاواعية بينهم.

يصنع المقهى بأثاثه الأنيق وموسيقاه الهادئة والتعامل الراقي فيه جواً خاصاً يصبغ زائريه بهذه الصبغة حتى إن لم يكونوا كذلك، فالتواجد في مكان مختلف عن مساحات الترفيه الأخرى كالحدائق والمطاعم يجبر الزوار على التصرف بأناقة وحذر، كما يصنع جواً من التحرر والانفتاح، ويُعد فرصة لإقامة الصداقات، وعرض المواهب بحريّة، فقد ترى عازفة جيتار تلاعب الأوتار على مقعدها دون خجل، وترى رساماً يسند لوحته في زاوية ما، دون خشية من نظرات الاستنكار.

 بديل عن القات

لا تتناول المرأة القات في المجتمع اليمني بشكل كبير كالرجل، حيث لا يتقبل المجتمع كثيراً تناول الفتاة العزباء للقات، وتقل المتنفسات التي يمكن للمرأة قضاء المساءات فيها بعيداً عن ملل الزيارات اليومية، أو الوحدة والانشغال بمشاهدة التلفزيون، لهذا كانت المقاهي نافذة جديدة للقاء وتنفس الهواء الطلق ومشاهدة عالم جديد خارج الجدران المغلقة. استقبلت المقاهي في صنعاء النساء، وأصبحت هذه الأماكن متنفساً لهن، في بيئة آمنة نسبياً، بعيداً عن مظاهر الاستنكار التي وقفت حائرة أمام هذه التجربة الجديدة، فجلوس المرأة في مقهى شعبي مفتوح قد يعرضها لكثير من الاعتراضات والانتقادات والمشاكل، أما هذه المقاهي الجديدة التي تحيط بها الأسوار فلم تكن هناك قاعدة مسبقة ضمن التقاليد توضح الوضع المناسب لها، لذا اكتفى المجتمع بالمشاهدة وانتظار النتائج.

تنتشر فكرة أن الأماكن العامة أكثر أماناً، لهذا أصبحت المقاهي بعد تردد وتحفظ في بداياتها ملتقىً للاجتماعات بين النساء والرجال لأسباب كثيرة، كلقاءات العمل التي أصبحت المقاهي هي المكان الأنسب لها والخيار الأكثر ثقة، كما أصبحت ملتقى لأعضاء منظمات المجتمع المدني والمبادرات الشبابية التي لم تجد مقراً لها بعد، كما قد توفر أيضاً مكاناً ملائماً للتعارف والحديث بين الأصدقاء، أو اللقاءات العائلية، أو تلقي الزيارات دون الانخراط في واجبات الضيافة المحرجة، كما تعد بديلاً لمجالس القات. 


الإنترنت

انتشار تقنية الإنترنت اللاسلكي في بداية ظهور المقاهي الحديثة جعلها أماكن مثالية لاستخدامه عن طريق الأجهزة الذكية في أوج فترة انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، فقد كانت محلات النت الموجودة سابقاً بيئة مزعجة لاستخدام النساء. وكثرت الشكاوى من تعرضهن لمضايقات بسبب طبيعة مرتاديها وعدم تقبلهم استخدام النساء للنت، حيث كانت النظرة لوسائل التواصل الاجتماعي في بدايتها نظرة مرتابة، كما لم تثق النساء تماماً بإدارة هذه المقاهي بسبب بعض الإشاعات عن مراقبة القائمين عليها للصفحات التي يفتحها رواد المكان. بعد اندلاع الحرب في اليمن عام 2015 والتغيير الكبير الذي أحدثته في كافة نواحي الحياة، ورغم صعوبة الوضع في بداية الحرب وكثافة القصف الجوي، فإن المقاهي لم تخل من روادها، وظلت واقفة بثبات، تقدم خدمات شحن الأجهزة والهواتف، وتوفر خدمة الإنترنت بعد انقطاع الكهرباء تماماً عن العاصمة صنعاء. كما وفرت مساحة للقاء والتواصل بعد توقف الأعمال والدراسة وصعوبة التنقل، وأصبحت منافذ للقاء والبوح والحديث والهروب من الألم.

المقاهي والثورة

تأثرت المقاهي بحركة احتجاجات الربيع العربي، فاستقبلت النساء بشكل غير مسبوق و اكتسحتها أجواء الحرية والانطلاق التي سادت الساحة، وصارت المقاهي ملتقىً مثالياً للشباب الثائر والشابات، الذين لا يملكون مقرات حزبيّة أو تنظيميّة ليعقدوا فيها اجتماعاتهم بشكل دوري، ويناقشوا فيها خطط الثورة وتفاصيلها، فتقاليد البيت اليمني الحديث تمنع فتح أبوابه للقاءات بين الجنسين في مكان واحد، بعد اندثار العادات القروية القديمة التي لم تكن ترى في ذلك حرجاً.

ورغم الحذر والتحفظ من بعض فئات المجتمع على ارتياد الفتيات المقاهي، إلا أن الأمور لم تصل إلى أكثر من هذا المنع، والابتعاد عن هذه الأماكن التي قد تكون شبهتها الوحيدة لدى العائلات المحافظة هي الاختلاط وإتاحة المجال للقاء الفتيات والشباب بسهولة، لكن ما أفسد هذه الهدنة الحذرة في مجتمع متشدد اجتماعياً هو انتشار صنف جديد تقدمه بعض المقاهي إلى جوار القهوة والمشروبات الساخنة والوجبات الخفيفة، وهو الشيشة.

 دخان ممنوع

للصورة النمطية التي صنعتها الأعمال التلفزيونية دور كبير في الهجوم الشرس على هذا النوع من المقاهي، رغم انتشار الشيشة وتعاطيها في البيوت إلا أن تدخين المرأة في مكان عام يجعلها عرضة لنظرات الاتهام والإساءة والأذى اللفظي.

قليل من النساء تحدّين هذه النظرة التي لم تمنعهن من ممارسة متعتهن في مجموعات نسائية أو جلسات عائلية في المقاهي، إلا أن تدخينها في مجموعة مختلطة من النساء والرجال أصبح يثير بركاناً خامداً ينتظر لحظة الانفجار.

 

ألوان تتحدى الرماد

زعزعت الحرب الكثير من الثوابت المجتمعية، وانتشرت مظاهر لم تكن مقبولة من قبل كنوع من التحدي والانتقام، أو ربما تمسكاً بالحياة التي بدأت تنفلت قبل التمتع بها. تغير مظهر المدينة، واكتسحتها موجة ألوان مغامرة، تغير شكل الحجاب، العلاقات الاجتماعية، طريقة الحياة، وعملت المرأة في مهن لم تكن تجرؤ على الاقتراب منها، وانتشرت أنشطة ومشاريع تتحدى الحرب وتسعى إلى التمسك بالحياة. انتشر الفن وظهرت عازفات ومغنيات وممثلات يمنيات شابات بصورة غير مسبوقة، وظهرت المرأة بقوة على وسائل التواصل الاجتماعي ككاتبة أو ناشطة سياسية، كما قادت مبادرات تنبش ركام الحرب وتنفخ الروح في بقايا الحياة المختبئة تحتها.

ما زالت المقاهي تمتلئ بالنساء والرجال من مختلف التوجهات والمستويات الاجتماعية، فقد أصبحت جزءاً من المدينة، ومن أهم المتنفسات فيها، و ومضة من ومضات الحياة القليلة التي تقاوم الظلام، وتزيل الحواجز بهدوء، وترسم شكلاً جديداً للمجتمع المدني. 


*صنعاء - سحر عبده

*الرسومات للفنان اليمني حكيم العاقل

التعليقات: اترك تعليقا

* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.