من الخطوط الأمامية في تعز اليمنية



بينما تُمسك احدى يديه طرف خرطوم الشيشة، ويده الأخرى مشغولة بهاتفه الذي يدق، كان رنين رسائل الهاتف يقاطع حديث محمد القاضي باستمرار. يُلقي محمد القاضي نظرة سريعة على هاتفه، ويقول “عذراً، هناك خبر عاجل يجب أن أرسله إلى المحررين”. ثم يأخذ هاتفه ويشرع في النقر.

باعتباره من أقدام الصحفيين في اليمن، وأحد مراسلي الحرب القلائل، لدى القاضي أشغال كثيرة. وبالرغم من كونه في إجازة قصيرة بالقاهرة، يظل منشغلاُ بمتابعة الأخبار واستقبال المكالمات ومتابعة التطورات مع مصادره في اليمن، وموافاة فريق التحرير في قناة “سكاي نيوز” العربية – الموجودين في الإمارات العربية المتحدة – بالتطورات.

وأجرت مدونة MENASource مقابلة مع القاضي الشهر الماضي في أحد مقاهي القاهرة، بعد أيام من مغادرته اليمن. “لقد كان وقتا صعباً. كنت في حاجة إلى إجازة قصيرة بعيداً عن العنف، حتى وإن كنت أواصل العمل من هنا كما ترى”، يعترف ضاحكاً.

ويغطي القاضي الحرب في عموم اليمن، حيث يسافر إلى مناطق مثل صنعاء وعدن، إلا أن معظم تغطيته منذ أوائل عام 2015 تتركز على الصراع الدامي في تعز. وفي ظل الحرب الدائرة غافل القاضي الموت عدة مرات، كما نجا من إصابة خطيرة في عينه، وهو على الخطوط الأمامية للقتال، كما تلقى تهديدات بالقتل، وتم اختطافه مرتين.

“بين كل المناطق التي مزقتها الحرب، أعتقد أن تعز مثلت المنطقة الأكثر تحدياً، بسبب الصعوبة البالغة في الدخول إليها، بالإضافة إلى حجم الدمار الهائل، والمعاناة الإنسانية غير المحتملة، والخطر الدائم على الحياة”، يقول القاضي.


القاضي يقف بجانب دبابة من القوات الحكومية، في احدى القواعد الجوية التي تم الاستيلاء عليها من قبل الحوثيين. وتم تدمير الدبابة عن طريق تفجير لغم زرعته قوات الحوثيين. وفر القاضي عقب إطلاق الحوثيين للقذائف على المكان. (22 نوفمبر/تشرين الثاني 2016).


وتنم ملاحظات القاضي عن خبرة واسعة في تغطية مناطق النزاعات. فقد بدأ العمل كصحفي في عام 1998 مع الجريدة الوحيدة الناطقة بالإنجليزية في اليمن حينها، The Yemen Times، وقدم تغطية مباشرة لبعض أكثر فترات اليمن اضطراباً. كما عمل مع الكثير من وسائل الإعلام العالمية، مثل واشنطن بوست وأسوشيتد برس وفرانس 24 وذي ناشونال. كما راسل لصالح بي بي سي والجزيرة الإنجليزية، حتى انضم رسمياً لفريق “سكاي نيوز العربية” في عام 2012. وقام القاضي بتغطية واسعة للحرب بين القوات الحكومية والحوثيين في الفترة بين 2004-2010، وتغطية الحراك الجنوبي في جنوب اليمن منذ بدايته عام 2007.


“بالرغم من القيود المفروضة على حرية الصحافة طوال تلك الأعوام، كان الصحفي أو الصحفية يستطيعون إيجاد الطرق للقيام بعملهم في التغطية بأمان نسبي”، يشير القاضي. “أما اليوم، فهناك استهداف منهجي للصحفيين من كافة الأطراف المتحاربة. في تعز على الأخص، يتعامل الحوثيين مع دخول صحفي أو صحافية بآلة تصوير وكأنه سلاح مصوب تجاههم.”

ففي تعز، عصف الصراع بكل جوانب الحياة، بما في ذلك الصحافة. وصارت المدينة منذ عام 2015 مسرحاً لمعارك ضارية لا تنتهي بين طرفين: قوات الجيش الوطني الخاضع لسيطرة حكومة الرئيس هادي والمقاومة الشعبية (جماعة محلية تابعة للحكومة اليمنية) في جهة، والحوثيين في الجهة الأخرى.


القاضي ينفذ عبر ثقب في حائط مدرسة الحكيمي في منطقة المرور بتعز. كان من الصعب الوصول إلى الخطوط الأمامية هناك بدون المرور عبر مثل تلك الثقوب والممرات الضيقة لتفادي قناصي الحوثيين. (19 سبتمبر/أيلول 2015).


وفي  تقريرها لعام 2007، ذكرت منظمة فريدوم هاوس أن اليمن صارت أكثر بقاع العالم خطورة على حياة الصحفيين، في ظل مقتل ستة صحافيين على الأقل هناك خلال عام 2016، وتعرض تسعة آخرين للاختفاء القسري. وبسبب صعوبة الحصول على إحصاءات دقيقة في البلد التي تمزقها الحرب، لا توجد تقديرات دقيقة لعدد الصحفيين الذين لقوا نحبهم في تعز وحدها منذ بداية الصراع. ويشير القاضي إلى أن سبع من الصحفيين-المصورين لقوا مصرعهم في تعز خلال الحرب. أحد هؤلاء هو أحمد الشيباني، والذي تم تسجيل لحظة مقتله حين أودت رصاصة بحياته أثناء قيامه بعمله في تغطية الصراع. وفي العام الماضي، لقى مصورانصحفيان مصرعهما في تعز، فضلا عن مصور صحفي آخر لقى مصرعه خلال العام الجاري.


القاضي متسللاً عبر ثقوب حوائط المنازل حتى يتفادى مرمى قنص الحوثيين في منطقة الحصب بتعز. قام القاضي بتغطية حجم الدمار في المنطقة. عقب ذلك بيومين، لقى المصور الصحفي أحمد الشيباني مصرعه رمياً بالرصاص في نفس هذه المنطقة. (14 فبراير/شباط 2016).


بالرغم من ذلك، لا يعتبر القاضي الحوثيين الخطر الوحيد المحدق بالصحفيين العاملين في اليمن، حيث أن حالة الفوضى العامة التي تغرق البلاد تجعل الكل في خطر. “بينما لا أقلل من المخاطر التي أتعرض لها في محاولات تفادي قناصي الحوثيين عدة مرات، أعتقد أني تعرضت لمخاطر مشابهة حين تم اختطافي مرتين بواسطة مسلحي القبائل، ومجموعة مسلحة أخرى”، يتذكر القاضي، “مرة في محافظة عمران أثناء استيلاء الحوثيين على صنعاء، ومرة أخرى في تعز، حين صوب مسلحون بنادقهم ال “إيه كيه 47″ نحو رأسي. ظننت أنه سيتم إعدامي في التو.”

ويعتقد القاضي أن تعز قد تكون حالياً أكثر المناطق خطورة بالنسبة للصحفيين في اليمن. وفقد القاضي الكثير من زملائه الذين لقوا حتفهم على يد الحوثيين قنصاً أو قصفاً. وتتصاعد حدة القتال في ظل التطور الأمني المستمر في تعز، وغياب القانون والنظام العام بشكل كبير، بسبب تعدد المجموعات المسلحة، وعدم وضوح انتماءاتها.

وفي بعض التغطيات الحية التي يقوم بها القاضي من الخطوط الأمامية، يمكن سماع أصوات إطلاق النار والقصف بوضوح، بل وفي مرات عدة قطعت رصاصات القناصين أو القصف الصاروخي تلك التغطيات الحية.


“الآن، حين أشاهد تلك التقارير المصورة التي سجلتها بينما أنا في مرمى القصف ورصاص القناصين، أدرك مدى الخطر الذي كنت أواجهه”، يقول القاضي، “لكني في اللحظة نفسها، لم أكن أعي تماما مدى الخطر المحدق بي. فقط حين أراه على الشاشة بعد ذلك أفهم خطورة الموقف الذي كنت فيه”.

بخلاف التغطية من على الخطوط الأمامية، قام القاضي بتسجيل العديد من التقارير حول الأوضاع الإنسانية المتردية بسبب الحصار الذي يفرضه الحوثيين. “كان من الضروري تغطية آثار الحصار المفروض على تعز، حيث مررت أنا وطاقم العمل بما يمر به سكان المدينة”، يقول القاضي لـ MENASource.

“لقد رأيت كيف يفقد المرضى وعيهم ويموتون بلا حول ولا قوة على أبواب المستشفيات التي تفتقر للمواد الطبية والأطباء. أمر مأساوي”

واضطر القاضي إلى تسلق الجبال العالية في عزلة طالوق في تعز مع سكان المنطقة، حيث كانت المنطقة الوحيدة الآمنة بعيداً عن مرمى قناصي الحوثيين، بينما يقوم بتهريب الغذاء والمواد الطبية للمدينة. ويتذكر القاضي كيف رأي الرجال والنساء والأطفال يحملون الامدادات الثقيلة على أكتفاهم، وعلى ظهور الجمال والحمير عبر الجبال حتى يصلوا للمدينة. “كانت تلك احدى تجليات المأساة في تعز”، كما يصفها القاضي.


القاضي يتجاذب أطراف الحديث مع أحد فلاحي عزلة طالوق في جنوب تعز، بينما يقوم بتحميل أشولة الدقيق على ظهر حماره كي يُهربه إلى مدينة تعز الخاضعة لحصار الحوثيين. (27 ديسمبر/كانون الأول 2015).


يرى القاضي أن تغطية الحرب أمر حيوي، بالرغم من كل المخاطر. “كصحفيين، مهمتنا هي نقل صوت الناس المحاصرين في مثل هذه النزاعات”، يقول القاضي “لقد رأيت كيف كانت لبعض التقارير التي سجلتها أثراً حين يقوم المتبرعين بإرسال المساعدات في محاولة لتخفيف معاناة الناس في تعز. ذلك يجعل الأمر يستحق المخاطرة”.


*هذا المقال نُشر أولاً على موقع مركز الإتلانتيك، بتاريخ ٢٣ فبراير ٢٠١٨. 

*بقلم: أفراح ناصر @Afrahnasser 

التعليقات: اترك تعليقا

* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.