حوار فرناندا پيڤانو مع تشارلز بوكوفسكي


حوار فرناندا پيڤانو مع تشارلز بوكوفسكي
 22/09/2017 14:21

*"سعيد لأنني لم أستسلم. سعيد لأنني لم أترك الكلمة. مازلت أملكها، أعمل معها، أعبث بها، تستغرقني كما كانت تفعل سابقًا. أظن أن الآلهة كانت تلعب معي. ومازالت حتى الآن. سأهبط إلى آخر جمرة. النيران ساخنة. وعلى وجهي ابتسامة صغيرة والكلمات تقفز إلى شاشة الكمبيوتر وأنا شاب كما كنت في السابق. دون غرور، دون رجاء أو طمع في الشهرة، فقط غريزتي تنبض بالكلمة، كلمة أخرى، كلمات أخرى، بالطريقة التي أريدها، بالطريقة التي يجب أن تكون عليها. أقف وأضحك مع الآلهة."

من رسالة إلى جون مارتن

٣٠ يونيو، ١٩٩١


سنة ١٩٨٠ سافرت الكاتبة والمترجمة الإيطاليّة فيرناندا پيڤانو لإجراء مقابلة مع الشاعر الأمريكي تشارلز بوكوفسكي. وقد كان سجلها الصحفي حافلًا بلقاءات أخرى مع كتّاب مثل: همنغواي، هنري ميلر، كيرواك، غينسبرغ، وغيرهم ممن أصبح الأدب الأمريكي المعاصر يعرّف بهم، وفعلت كل هذا لتقدّمهم إلى القارئ الإيطالي.

كانت قد وصلت إلى بوكوفسكي عن طريق جو وولبيرغ، أستاذ الفلسفة السابق، والذي كان يدير متجر فيرلنغيتي للكتب. ذهبت پيڤانو لزيارة وولبيرغ في سان فرانسيسكو، حيث سحرتها فرق المارياتشي المكسيكية بموسيقاها، واستمتعت بتناول الفواكه اللذيذة في إفطار الفندق الذي كانت تقيم فيه. ثم سافر الاثنان معًا إلى لوس أنجلوس، ثم استأجرا سيارة أخذتهم إلى سان بيدرو، حيث كان يقيم بوكوفسكي حينها. 

سان بيدرو، كاليفورنيا

الأحد، ٢٤ أغسطس، ١٩٨٠


بوكوفسكي: ما هو السؤال الأول؟

فرناندا پيڤانو: كنت أفكر أن أسألك عن رأيك في الصورة التي صنعها الإعلام لك خلال السنوات الماضية؟

بوكوفسكي: حسنًا، لست متأكدًا أي صورة صنعها الإعلام لي خاصةً في أوروبا، لأنني لا أقرأ المراجعات هناك لأنها تكتب بلغة أخرى. فلهذا لا أملك أي خلفية عمّا يحدث أو يكتب هناك. كل ما أعرفه أن كتبي تُباع، لكن ما الذي يقال عني، لا أعرف. أنا أتحدث الإنجليزية فقط؛ أقرأ بالإنجليزية فقط. لهذا بالتأكيد أنتِ تعلمين ماذا يُكتب هناك أكثر مني. أخبريني عنه.

پيڤانو: وماذا عن الصورة التي تصنع لك هنا في أمريكا؟

بوكوفسكي: آه، مبالغ بها بعض الشيء. يعتقدون أنني ذلك الشخص القوي، الذي يقفز إلى السرير ويغادره مع كل النساء، وأشياء من هذا القبيل. أظن أنهم متأخرون بعض الشيء، كنت أفعل هذا في السابق. ولكن بشكل عام هذه الصورة غير حقيقية ومبالغ بها. إنهم يبالغون بشأني، بشأن ما فعلته، وما أفعله. وللحصول على أفضل صورة لي، أصدق صورة، عليهم ببساطة أن يقرأوا ما كتبت وليس اختلاق التصورات دون قراءة الكتب.

پيڤانو: ولكن هل ما قمت بكتابته يمثل سيرة ذاتية ستعطي تلك الصورة التي تقصدها عن حياتك؟

بوكوفسكي: نعم، هذا قريب مما حدث. نعم، هو عبارة عن ٩٥٪ حقيقة و ٥٪ خيال. أقوم بتلميعه فقط بالقرب من الحواف. ولكن كما ترين، الكثير من النساء يكرهنني، لأنهن سمعن أنني أقوم بأشياء سيئة لبنات جنسهن. وأغلبهن لم يقرأن كتبي حتى، الأمر أشبه بتناقل الكلام، أنني ذلك الرجل السيء الذي يشوّه النساء، يضربهن، يتبوّل عليهن، وكل هذا. والقليلات منهن قرأن كتبي فعلًا. وإن فعلن هذا سيكتشفن أنني في غالب الأحيان أكون الشخص الذي يتعرض للإهانة من قبل النساء.

پيڤانو: عندما تقول النساء، هل تقصد النسويّات، أم النساء فقط؟

بوكوفسكي: النساء فقط. أنا لا أذهب إلى السرير مع نسويّات. وغالبًا ما أبدو في أعمالي الشخص المخدوع، أكثر من النساء. ولكن حتى اللواتي قرأن أعمالي لم يتوقفن عند هذا الجانب. لا يجذبهن سوى الأمور السيئة التي تحدث للمرأة. هذا كل ما تستطيع أعينهن الوقوع عليه. لذلك أظن أن هذا رأي غير عادل بشأني. ولكنني لا أهتم، لأن هذا يساعد على بيع الكتب. هي فكرة مضخمة ومبالغة فيها عني. تجعلني مثيرًا أكثر مما أنا عليه، حقيرًا أكثر مما أنا عليه. وهذا كله يساعد على بيع الكتب، لأن أولئك الذين يكرهونك هم قرّاء جيدون أيضًا. يصبحون فضوليين حين يكرهون. وهكذا، تساعد هذه الصورة الخاطئة عني على البيع.

پيڤانو: تساعد على البيع؟

بوكوفسكي: نعم. أرى أنك بدأتِ بتشغيل آلة تسجيلك الصغيرة.

پيڤانو: هذا شيء لا أعتقد أنكم أيها الكتّاب، أيها الشعراء، رجال المجتمع، أو أيًا كان ما تطلقونه على أنفسكم، ستعتادون عليه.

بوكوفسكي: نعتاد على ماذا؟

پيڤانو: على آلة التسجيل، أنت لا تهتم لهذا الأمر كثيرًا.

بوكوفسكي: نعم أظن ذلك، لقد شاركت في حوارات كثيرة، أكثر من مئة حوار.

پيڤانو: ولهذا لم تعد تهتم أبدًا؟

بوكوفسكي: بالكاد أهتم لأجيب عن الأسئلة بشكل صحيح. ولكنني سأحاول (ضحكة).

پيڤانو: لأنك لا تهتم للأسئلة؟ هل هذا قصدك؟

بوكوفسكي: لا، لا، ليس الأمر كذلك. كل ما في الأمر أنني أستمر بسماع الأسئلة ذاتها. إنها …

پيڤانو: تشبه بعضها؟

بوكوفسكي: نعم، بشكل عام تشبه بعضها.

*

پيڤانو: هل كنت نازيًا؟

بوكوفسكي: لا، كنت أتظاهر بأنني نازي.

پيڤانو: ولماذا تتظاهر بشيء سيء كهذا؟

بوكوفسكي: لم يكن الأمر بذلك السوء، لقد كنت أشعر بالملل لأن الجميع يؤيد الحرب في ذلك الوقت، الجميع كان يذهب في الاتجاه نفسه.

پيڤانو: وكانت تلك طريقتك في تعبيرك عن مناهضتك لأمريكا؟

بوكوفسكي: كانت فقط طريقة لكي لا أكون واحدًا منهم. أظن أن هناك شيئًا مشتركًا لدى كثير من الكتّاب، عندما يرون الحشود تتجه إلى طريق، يسلكون الطريق الآخر بشكل تلقائي. لهذا السبب هم كتّاب. هم مخلوقات غريبة. أظن، ربما، سيلين، كنوت هامسون، وإزرا باوند وكثير من الكتّاب الآخرين أيضًا، لا أظن أنهم آمنوا فعلًا بالفاشيّة أو النازيّة، لكنهم ببساطة أرادوا أن يتخذوا طريقًا مغايرًا لما اتخذه الجميع، لأنهم لم يستطيعوا تحمّل الوقوف معهم. كان عليهم أن يميلوا قليلًا للطرف الآخر. لا أتوقع منكِ فهم هذا.

پيڤانو: أنت تعلم أنني أقفز حين أسمع ذلك.

وولبيرغ: ولكنه قد وضع في السجن أيضًا، للسبب نفسه.

پيڤانو: لأي سبب؟

بوكوفسكي: لا أعرف عمّ يتحدث.

وولبيرغ: ألم يضعوك في السجن لأنك لم ترد الذهاب؟

بوكوفسكي: لا، كان ذلك لأنني لم أكن أهتم من الأساس. كنت ثملًا طوال الوقت؛ لم أقرأ التعليمات من المصدر. لم تقل أبدًا تعال للتجنيد، بل كانت تتحدث عن شيء أشبه بأن علي إبلاغهم عندما أغيّر مكان إقامتي. ولكني أخبرت مكتب البريد الذي أعمل فيه ولم أخبرهم. قلت لنفسي: إذا أرادوني فبإمكانهم العثور علي.

پيڤانو: ولم تذهب للتجنيد إذن؟

بوكوفسكي: لقد وضعوني في السجن، ثم كان علي الإجابة على أسئلة الطبيب النفسي. كنت بأمان هناك. ولكنني لم أستطع تجاوزه. سألني ثلاثة أسئلة: "هل تؤمن بالحرب؟" أجبت: "لا." ثم قال: "هل لديك النية لتذهب إلى الحرب؟" أجبت: "نعم." فظن أنني مجنون. (ضحكة)

پيڤانو: لا تؤمن بها وستذهب إليها؟

بوكوفسكي: لم أكن أمزح. ثم سألني سؤاله الثالث: "بالمناسبة أنا أعرف أنك رجل ذكي، سوف نقيم حفلة في منزلي الأربعاء القادم. سيحضر عدد من الكتّاب، الفنانين، الرسامين. أريد أن أدعوك لحفلتي. هل ستأتي؟" قلت: "لا." فقال لي: "حسنًا، بإمكانك الانصراف." (ضحكة) كل ما كان علي فعله هو أن أقول نعم-انتظري … لا، نعم، نعم.

پيڤانو: لا. لا، نعم، لا.

بوكوفسكي: هل تؤمن بالحرب؟ لا. هل ستذهب إليها؟ نعم.

أوه. لا. نعم. لا.

پيڤانو: ولماذا أردت الذهاب للحرب؟

بوكوفسكي: قلت لنفسي إنها ستكون تجربة مشوّقة. كما تعلمين، سيقتل الرجال دون سبب على الإطلاق، وربما أُقتل أنا أيضًا، وربما أقتل أحدًا. لا يوجد لدي ما أؤمن به، سيكون الأمر أشبه بدائرة. لن أمانع إن قتلت أحدًا، وإن قُتلت لن يزعجني هذا أيضًا. السبب الوحيد الذي لم يجعلني أرغب في الذهاب للحرب هو أنني لا أحب المكوث في غرف كبيرة مكتظة بعدد كبير من الأشخاص. إنه … آه … يفقدني فرادتي. لم أرغب في النزول والصعود مع بقية الجنود؛ لم أرغب في الشرب معهم؛ لم أرغب في الخروج معهم بحثًا عن النساء. لكن أن أَقتُل أو أُقتَل؟ لا مشكلة لدي في هذا أبدًا.

پيڤانو: أفهم ألا يزعجك أمر موتك، لكن أن تقتل شخصًا آخر؟

بوكوفسكي: لن يزعجني أيضًا، لأنني مجبر على هذا الموقف، وبالإضافة إلى هذا هم أخبروني إنني أفعل شيئًا جيدًا. حسنًا سوف أفعل هذا الشيء الجيد.

پيڤانو: ولكنك تحدثت في السابق عن بغضك لفعل ما يفعله الآخرون، والتفكير مثلهم، حتى أوصلك هذا للتظاهر بأنك نازي. فلماذا تتقبل حقيقة أنهم إن أخبروك بإن عليك القتل، فإنه من الجيد أن تقتل؟

بوكوفسكي: لكني أقتل لسبب مختلف عن سبب الرجل الذي بجانبي. هو يقتل لأنه يؤمن بالقتل. أنا أقتل لأنني لا أهتم. سببي مختلف. ويؤدي إلى الهدف ذاته.

*


پيڤانو: أريد أن أسألك عن شيء كنت تتحدث عنه في الفيلم الوثائقي الذي سجلته. كنت تتحدث عن العلاقة بين الأسلوب والحقيقة.

بوكوفسكي: أوه، كنت أتحدث عنه؟ تعلمين أنني أكون ثملًا عندما يسجل أحدهم معي لقاءً، لذلك لا أتذكر أو لا أعرف ماذا قلت فيه.

وولبيرغ: لقد قلت أن الأسلوب أهم من الحقيقة.

پيڤانو: لكنني لم أفهم بالضبط ماذا كنت تقصد بالأسلوب. هل هو ما قصده همنغواي عندما قال بأنه طريقة للحياة، أو أنه …

بوكوفسكي: حسنًا، فلنترك همنغواي خارج الموضوع. الأسلوب كنت أقصد به غالبًا، أسلوب الكتابة، أسلوب الحياة، مهما كنت أفعل.

الحقيقة تتغير كل يوم، كل ثانية. تحتفظ أنت بأسلوبك، والحقيقة تتغير حولك.

پيڤانو: وأسلوب الحياة؟ هل يتغير أيضًا؟

بوكوفسكي: أسلوب حياتي لا يتغير كثيرًا. ربما أشرب أشياء مختلفة فقط.

پيڤانو: ولكن على المرء أن يفكر في أسلوب حياته. هل تعرّف أسلوب حياتك بالشرب؟

بوكوفسكي: أنا أستيقظ في الوقت نفسه. أوه، نعم، هذا جزء منه.

پيڤانو: وهل تشرب باختيارك؟

بوكوفسكي: بشكل عام.

پيڤانو: كخيار لأسلوب حياة؟

بوكوفسكي: هل أتغوط باختياري؟

پيڤانو: لا تستطيع الامتناع عن التغوط، لكن تستطيع الامتناع عن …

بوكوفسكي: لا أستطيع الامتناع عن الشرب أيضًا. سأموت إن توقفت عن أحدهما. بطريقة أو بأخرى سأموت. أنا أشرب عندما أكتب. أو، هل أكتب عندما أشرب؟ أترين؟

پيڤانو: نعم.

بوكوفسكي: والكتابة تمثل ٩٠ ٪ مني. والنسبة المتبقية هي انتظاري حتى يحين موعد الكتابة.

*

پيڤانو: الانطباع الذي قد يتوصل إليه من يقرأ كتبك أنك لا تحب الحياة. أنت تعيش، لكن دون حب للحياة. هل هذا انطباع خاطئ؟

بوكوفسكي: لا، إنه دقيق للغاية. أجد أن الحياة غير مشوّقة على الإطلاق، وخاصةً عندما كنت أعمل ثمان ساعات في اليوم واثنتا عشرة ساعة في اليوم. أغلب الرجال يعملون ثمان ساعات يوميًا طوال الأسبوع. وهم لا يحبون الحياة أيضًا. لا يوجد سبب لرجل يعمل ثمان ساعات كل يوم يجعله يحب الحياة. ينام ثمان ساعات، ويعمل ثمان. لقد ناقشت هذا الأمر مع صديق لي ذات مرة، أن الرجل الذي يعمل ثمان ساعات في اليوم، بالإضافة إلى كل الأشياء الأخرى التي عليه أن ينجزها -كأن يحصل على رخصة قيادة، يتفقد إطارات سيارته، يتشاجر مع حبيبته، يتسوّق من البقالة- سيتبقى له ساعتان أو ساعة أو نصف ساعة يقضيها مع نفسه. بإمكانه أن يعيش بحق ساعة أو ساعة ونصف من يومه، وبقية الساعات تذهب هباءً. هذا ما اضطررت لفعله معظم فترات حياتي. ولم أكن أحب هذا. وأعتقد أن أي رجل يحب هذا سيكون مغفلًا. من المستحيل أن أحب الحياة بهذه الطريقة.

پيڤانو: وماذا عن حياتك الآن؟

بوكوفسكي: إنها تتحسّن.

پيڤانو: إذن ستبدأ بحبها؟

بوكوفسكي: لا. أنا حذر بشأن حب الحياة، لأنها قد تخدعني إذا بدأت بحبها. مازالت أراقب الأمور حولي.

پيڤانو: لكنك الآن لست مضطرًا للعمل ثمان ساعات في اليوم.

بوكوفسكي: الآن أعمل طوال اليوم.

پيڤانو: لكنك لست مجبرًا على هذا. أنت تعمل لأنك تحب عملك. تحب الكتابة. لا تخبرني أنك لا تحب الكتابة.

بوكوفسكي: أنا أحب أن أشرب، وأكتب عندما أشرب، أحيانًا. لا، الكتابة ليست عملًا على الإطلاق، أنتِ على حق. وعندما يخبرني الناس عن صعوبة الكتابة وألمها، لا أفهم ما يقصدونه، لأن الأمر أشبه بالانحدار من جبل. إنه محرّر. إنه ممتع، أشبه بالهديّة، تحصل على المال وأنت تفعل الشيء الذي تريده.

پيڤانو: لا أظن أنك تكتب للحصول على المال.

بوكوفسكي: لا، أكتب لأن الكتابة تخرج تلقائية مني-ثم أن أحصل على المال بعدها؟ أخبرت أحدهم ذات مرة، أن الكتابة تشبه الذهاب مع امرأة جميلة إلى السرير، تنام معها، ثم عندما تنهض يأتي أحدهم إليك ويعطيك بعض المال. الأمر كثير جدًا. بالتأكيد ستأخذ المال، لأنك تحتاجه. هذا كل ما في الأمر. أي شيء آخر؟

پيڤانو: حسنًا، هل سبق لك واستيقظت ذات صباح ونظرت إلى النافذة لترى السماء صافية دون غيوم وأحسست بالسعادة؟

بوكوفسكي: وأرى طائرًا صغيرًا يحلّق بالقرب؟ لا.

پيڤانو: ربما الطائر سيكون أمرًا مبالغًا به. (ضحكة)

بوكوفسكي: وصفك كان مبالغًا به دون الحاجة للطائر. لا، لا أنظر إلى السحب وهي تمر ولا أنظر للسماء الزرقاء، لا. في الحقيقة، إذا كنت سأحب شيئًا سيكون هذا عبارة عن عاصفة من المطر وبعض الغيوم السوداء، نعم.

پيڤانو: سوداء؟ تحبها هكذا؟

بوكوفسكي: عاصفة ممطرة وبرق. أقرب إلى الشيطان، أترين.

پيڤانو: تشعر بأنك أقرب إلى الشيطان؟

بوكوفسكي: في الحقيقة، أشعر بالشفقة على الشيطان أكثر من شفقتي على الأشخاص اللطيفين. يبدو لي مثيرًا للاهتمام وهو يحاول إشعال تلك النيران بالأسفل. خسر المعركة مع الرب، وقُذف به للأسفل. ربما أستطيع مساعدته للخروج لنسيطر معًا على كل شيء. للتغيير قليلًا.

پيڤانو: متى بدأت تشعر بقربك من الشيطان؟

بوكوفسكي: هذه مجرد مزحة. أنا بالكاد أفكر بالأمر من هذه الناحية. ولكن عندما تحدثتِ عن الغيوم والسماء الزرقاء، بدأت بالتفكير في الشيطان لأواجه الغيوم اللامعة والسماء الزرقاء. كل هذا ردة فعل. حاولي أن تلمسيني هنا، وسأقوم بردة فعل عكسية. أنا أقوم بردّات فعل. قد يكون هذا دفاعيًا إلى حد كبير. مهما يكن، لا أهتم.

*

پيڤانو: ما الذي تفضله أكثر، كتابة القصائد أم كتابة القصص؟

بوكوفسكي: يعتمد الأمر على مزاجي. القصيدة دائمًا هي أسهل ما يمكن كتابته، لأنني أستطيع كتابتها عندما أكون ثملًا أو عندما أكون سعيدًا أو حزينًا. أستطيع دائمًا أن أكتب قصيدة. هي خفيفة وفي يدي طوال الوقت؛ لأنها تعبير عاطفي يظهر فجأة. أما القصص القصيرة -علي أن أكون في مزاج جيد حتى أكتبها.

پيڤانو: ما هي الأشياء التي تجعلك تشعر بالسعادة، وما هي الأشياء التي تجعلك تشعر بالحزن؟ نجاحك في فعل الحب، ممارسة الحب؟

بوكوفسكي: أوه، لا، لا، هذا أحد الأشياء الأقل أهمية بالنسبة لي.

پيڤانو: حسنًا، ما هي الأشياء المهمة بالنسبة لك؟

بوكوفسكي: ذهابي لمضمار السباق، واختياري لسبعة فائزين من بين تسعة.

پيڤانو: لا تستخف بي.

بوكوفسكي: أنا أتحدث بجديّة. أخبر ليندا -الأمر أشبه بالسحر. هل ترين كل هذه الأحصنة …

ليندا: نعم، إنه على حق.

پيڤانو: وما الذي يشعرك بالحزن؟

بوكوفسكي: آه … التحدث في حوار كهذا.

پيڤانو: شكرًا لك.

بوكوفسكي: وحالات الصداع التي أمر بها، عندما تؤلمني أقدامي. أظن أن الشيء الذي يجعلني أشد تعاسة هو مكوثي في مكان واحد مع عدد كبير من الناس، واستماعي إلى محادثاتهم. هذا يجعلني غير سعيد، ليس غير سعيد فقط، بل يقودني للجنون. لأنني أكون عالقًا وسط كل هولاء البشر وهذا كل ما بإمكانهم قوله. بالنسبة لي هذا يجعلني أشعر بالتعاسة.

پيڤانو: لأن محادثاتهم تافهة؟

بوكوفسكي: أسوأ من تافهة. مجنونة. الكلاب تتحدث أفضل منهم، وهي لا تستطيع التحدث حتى. نعم، تافهة. لا أحب الحشود، ولا الأماكن المزدحمة. لقد اعتدت أن أسدل الستائر، وألّا أجيب على جرس الباب، ولا حتى الطرق لمدة أسبوع كامل في بعض الأحيان. أنام في السرير وحدي. لا أرى أحدًا، لا أفعل شيئًا. هذا يناسبني.

پيڤانو: متى بدأ كل هذا؟ لماذا لست على وفاق مع البشر؟

بوكوفسكي: دعيني أرى . . . أنا لا أحلل، أنا أفعل فقط. إذا كرهت شيئًا، أبتعد عنه مباشرة. لا أحاول أن أفهمه: "لماذا لا أحب هذا؟" أتحيّز لعنصريتي. لا أحاول أن أحسّن من نفسي، أو أتعلم أي شيء، فقط أبقى كما أنا. أنا لا أتعلّم؛ أنا أتجنّب.

پيڤانو: أنت لا تتعلّم، بل تتجنّب.

بوكوفسكي: نعم. أنا لا أريد أن أتعلّم. أشعر بأنني على طبيعتي بطريقتي المجنونة الخاصة.

پيڤانو: ولكن ماذا تتجنّب؟

بوكوفسكي: أن أصبح كالآخرين.

پيڤانو: حسنًا، دعنا نتحدث عن هذه المشكلة من زاوية أخرى.

بوكوفسكي: مشكلة؟

پيڤانو: نعم، بالنسبة لي وليس لك. متى اكتشفت أنك لا تحبّ البشر؟

بوكوفسكي: حاولت جدتي أن تميل قليلًا كي تقبّلني عندما كنت صغيرًا، فلكمتهاعلى أنفها. (ضحكة) وجهها ربما كان أول وجه بشري أراه على الإطلاق. بعدها أصبحت أنظر إلى والديّ وأتساءل: ما هذه الأشياء الكبيرة، الطويلة والغبية التي تملك كل هذه القوّة للسيطرة عليّ؟

پيڤانو: أوه، لأنهم يملكون القوة. أنت لا تحب هذا.

بوكوفسكي: لا، أنا أريد القوة لنفسي، ألا تريدينها؟ وبعدها أذهب إلى المدرسة، وتبدأ رحلة الرعب. لأنني أمام كل هولاء الأطفال، جميعهم في حجمي، ويفعلون كل هذه الأشياء السخيفة: يقذفون بالكرات ويصرخون. إنهم أغبياء. لطالما كان الحشد في مكان، وكنت في مكان آخر، منذ البداية. والأمر يتكرر الآن حينما أكون في أمسية أقرأ فيها شعري، يأتون لرؤيتي، لكنّي آتي لأكون نفسي، وهم يأتون ليكونوا أشياء أخرى، ومازلنا نتقاتل حتى الآن، أترين؟

*

پيڤانو: ما رأيك في حقيقة أن شهرتك في أوروبا أكثر من شهرتك في أمريكا؟

بوكوفسكي: أحب أن الأمر كذلك، لأن هذه الشهرة بعيدة عني، وبإمكاني العيش هنا على طبيعتي، دون إزعاج أحد. هل كان سؤالك عن سبب شهرتي هناك وليس هنا؟ أم هل أن الأمر يناسبني أم لا؟

پيڤانو: نعم. لماذا حدث هذا برأيك؟ لأنك مشهور إلى درجة كبيرة في أوروبا كما تعلم.

بوكوفسكي: حسنًا، سوف أقول شيئًا غبيًا - أعتقد أن أوروبا متقدمة على أمريكا بعدة قرون. أظن أن البشر هناك أكثر إدراكًا، يعلمون أكثر من غيرهم. ربما لأن الثقافة كانت هناك لمدة أطول. إنهم يتمسكون بما هو حقيقي أسرع من الأمريكيين. هذا هو الشيء الوحيد الذي بإمكاني التفكير به. ولو عشت هناك، فلن أستطيع الخروج للمشي في الشارع.

پيڤانو: لن تستطيع المشي في الشارع؟ لماذا؟

ليندا: إنه أشهر من نجوم الروك هناك.

پيڤانو: بالتأكيد في أوروبا هو نجم روك.

بوكوفسكي: خلال فترة زيارتي لأوروبا كنت عندما أذهب إلى محل الغسيل، يتوافد الجميع حولي "أوه، تشارلز، تشارلز …" أي مكان أذهب إليه- أذهب لآكل، أذهب للمشي قليلًا- يلحقون بي. هذا يجعلني أشعر بأنني لست على طبيعتي. إنه من اللطيف أن تسير في الطرقات دون أن تفكر: أنا كاتب، اسمي تشارلز بوكوفسكي، أنا كاتب. من المدمّر أن تفكر بهذه الطريقة.

پيڤانو: تعلم أن جنسبرغ عندما يسأله أحدهم: "هل أنت السيد جنسبرغ؟" يرد عليه: "واحدٌ منهم."

بوكوفسكي: أوه، هذا جيد. هذا عظيم، هذا يبعدهم عنه.

وولبيرغ: نعم، لكنه يحب إثارة الانتباه. ولا ينزعج من الشهرة.

پيڤانو: لا، إنها لا تزعجه مثلك.

بوكوفسكي: لهذا السبب كان يعلّم الشبان الكتابة ويجلس في المقاهي، وأنا لا أفعل مثله.

پيڤانو: جنسبرغ يعلّم ويكتب.

بوكوفسكي: الكتابة هي شيء لا تعرف كيف بإمكانك إنجازه. تجلس على الكرسي ويحدث، أو لا يحدث. فكيف بإمكانك تعليم أحد الكتابة؟ هذا فوق معرفتي، لأنك حتى أنت لا تعرف إذا كنت ستكتب أم لا. تشعر بالقلق دائمًا. بعض الأحيان أجلس على الآلة الكاتبة لربع ساعة دون كتابة شيء. أنا لا أذهب إلى الطابق العلوي لأكتب. الآلة الكاتبة هناك. إذا لم تبدأ بالتحرك، أقول لنفسي، حسنًا هذه الليلة سأعود خائبًا.

*

پيڤانو: ليندا تناديك هانك. لماذا اسمك في الكتب تشارلز وفي حياتك اليوميّة هانك؟

بوكوفسكي: هذا يعود لطفولتي. والداي اعتادا أن يناديانني هنري. اسمي الكامل هنري تشارلز بوكوفسكي، الأصغر. تعبت من هذا الاسم هنري.

پيڤانو: لماذا تعبت منه؟

بوكوفسكي: أبي وأمي لم يكونا شخصين لطيفين. وعندما يناديني أحدهما هنري، لم أكن أريد أن أسمع، لأنني إما أن أكون مدعوًا لآكل، أو لأنجز بعض المهام، أو لأنني فعلت شيئًا خاطئًا، وعلي المجيء لنيل عقابي. وعندما بدأت بالكتابة فكّرت، هنري بوكوفسكي؟ أصبح لدي سبب آخر لتغييره. إذا أخذتِ هنري ووضعته بجانب بوكوفسكي، على ماذا تحصلين؟ هن-ر-ي  بو-كوف-سكي. أترين؟ هذا أكثر من اللازم. هنري وبوكوفسكي، هل تفهمين ما أعني؟

پيڤانو: نعم

بوكوفسكي: هنري بوكوفسكي. فكّرت، هنري بوكوفسكي، موسيقى الاسم ليست صحيحة حتى. ثم جرّبت تشارلز بوكوفسكي. تشارلز كالخط المستقيم، وبوكوفسكي ترتفع وتهبط خلاله. يتصدّى أحدهما للآخر. وقلت لنفسي، "الآن أصبحت أملك اسم كاتب، تشارلز بوكوفسكي." وهكذا، أصبحت تشارلز بوكوفسكي لسببين: الأول، تعبت من والديّ وهما يناديان "هنري،" والسبب الآخر كان سببًا لفظيًا إذا جاز لنا القول. الآن كما ترين أنني لا أحب أن يدعوني أحد بتشارلز. هذا أمر لا بأس به على الصفحات المكتوبة، لكن أن يناديني أحد "أوه، تشارلز،" لا أحب هذا أيضًا. أنا مشوّش بشكل عام، ولذلك أخبر الناس أنني أحب أن أدعى هانك. الأمر مضطرب للغاية كما ترين. ولكن لا بأس. تشارلز بوكوفسكي على الصفحات المكتوبة مناسب تمامًا، ولكن لا أريد أن أدعى تشارلز. بل هانك، الرجل الطيّب، هانك.

*

پيڤانو: هل تنوي إخباري عن طريقتك في الكتابة؟ أقصد، ماذا تفعل حينما تستيقظ في الصباح. هل تذهب إلى مكتبك وتبدأ؟

بوكوفسكي: أوه، أنا لا أكتب في الصباح. أنا لا أستيقظ في الصباح.

پيڤانو: ما هو جدولك اليومي؟

بوكوفسكي: أشرب في الليل. أحاول أن أبقى في السرير حتى الساعة الثانية عشرة ظهرًا. وعادةً، إذا كان علي الاستيقاظ قبل هذا الوقت، لا أشعر أنني على ما يرام طوال اليوم. أنظر، إذا كانت الساعة الثانية عشرة، ثم أنهض، ويبدأ يومي. أتناول شيئًا، ثم أذهب إلى مضمار السباق. أراهن على الأحصنة، ثم أعود إلى المنزل وتبدأ ليندا بطهو شيء لنتناوله ونجلس لنتحدث قليلًا، نأكل، ونحتسي بعض الشراب، وأصعد إلى الطابق العلوي ومعي بعض الزجاجات وأكتب- أبدأ عند التاسعة والنصف وحتى الواحدة والنصف، الثانية، الثانية والنصف ليلًا. وهكذا ينتهي اليوم.

پيڤانو: تأكل مرة واحدة في اليوم فقط؟

بوكوفسكي: مرتين في اليوم. لا آكل ثلاث مرات أبدًا.

*


پيڤانو: هل تشعر بأنك إله؟

بوكوفسكي: حسنًا، كما ترين بما أنني لاأدري، فلن أستطيع الإجابة على هذا السؤال.

پيڤانو: وإن لم تكن لاأدريًا؟

بوكوفسكي: في الغالب سأشعر أنني أشبه الشيطان.

پيڤانو: نعم.

بوكوفسكي: هو أحمر ولديه قرون، وذيل طويل.

پيڤانو: وأنت تحب الذيل الطويل صحيح؟

بوكوفسكي: الشيطان مثير للاهتمام أكثر من المسيح.

پيڤانو: حسنًا، ما رأيك بالمشاكل النووية في العالم؟

بوكوفسكي: المشاكل النووية؟ أنا لا أسهر ليلًا على فراشي أفكّر بشأنها. في الحقيقة، لا تخطر ببالي من الأساس.

پيڤانو: لماذا؟

بوكوفسكي: لأنني مشغول بالتفكير في مَن سيفوز بالسباق التالي، الثلاثاء، في سباق الأحصنة.

پيڤانو: إذن، أنت غير ملتزم تجاه المجتمع.

بوكوفسكي: أنا غير مكترث.

پيڤانو: هل من الممكن أن نقول هذا؟

بوكوفسكي: أنا غير مكترث حتى وإن تم تدمير العرق البشري؛ لا يهمني الأمر. حتى لو مُحيت البشرية من الوجود، لن تكون خسارة أبدًا.

پيڤانو: إذن لا مانع لديك إن ألقى أحدهم بقنبلة ذريّة؟

بوكوفسكي: لن أمانع حتى لو كنت بالقرب من مكان سقوطها، أترين؟

ليندا: لن تكون لديك فرصة لتمانع. هذا مضحك، لأن سان بيدرو واحدة من الأماكن الأولى التي ستتعرض للهجوم إذا حدث أي شيء، لأنها أكبر منفذ بحري هنا.

بوكوفسكي: سأكون أنانيًا، وسأقول، لقد عشت ستين عامًا. لقد انتهيت من قهر الاحتمالات. لا، أنا لا أكترث لأي من هذا. دمّروا البشريّة، لا أهتم. وليس من شأني إنقاذ الحوت أو الفهد الأبيض العظيم أو النمر الأسود أو أي شيء آخر. أنا غير مهتم. كل ما أريد فعله هو المشي إلى تلك الزاوية من الشارع لشراء صحيفة، أقرأ عن حادث اغتصاب أو سرقة بنك، وربما أخرج لتناول الغداء في مكان ما بالجوار، أحتسي الشراب، وأستمر بالمشي لأنظر إلى كلب أو أحك ذراعي. أنا فقط غير مهتم بأكبر مشاكل العالم.

پيڤانو: وماذا لو بدأت الحرب؟ ماذا ستفعل؟ أو بماذا ستفكر؟

بوكوفسكي: سأفكر أن هذا طبيعي. ليس مفاجئًا على الإطلاق.

پيڤانو: لكن ألن تفعل شيئًا لتتجنّبه؟ إذا استطعت؟

بوكوفسكي: لأبدأه، لأتجنبه، لأكون جزءًا منه -أنا فقط هنا- وما يحدث فهو خارج إرداتي.

*

وولبيرغ: أريد أن أوجه لكِ سؤالًا عن بوكوفسكي الآن.

پيڤانو: لي أنا؟ ما هو؟

وولبيرغ: هل كان كما كنتِ تتوقعين؟

پيڤانو: لا. إنه مختلف بشكل كبير. توقعت أن يكون أكثر عدوانيّة.

ليندا: انتظري، لم تمكثي ما يكفي من الوقت لترين.

پيڤانو: من كتبك، توقعت أن تكون عدوانيًا. وعلى العكس، أجدك متسامحًا. وهذه مفاجأة جميلة. أنا سعيدة. هذا يجعلني ضمن أصدقائك.

بوكوفسكي: حسنًا، شكرًا لك.



ترجمة: محمد الضبع، مترجم وشاعر يمني مقيم في ألمانيا. النص جزء من ترجمات الضبع القادمة في كتابه "عن السفر إلى أماكن جميلة". 

 @MohdAldhaba

* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.