تنهدات يمانية



في اللحظة التي تضيق بها الأمكنة على اليمنيين وتنغلق بها كل السماوات أمامهم أحاول أن أستدعي خيوط الكلام لأن أبدأ كما يليق بكاتب يحترم نفسه أن يفعل، ولكنني سرعان ما أنتبهُ أن خياري هذا فيه عدم إدراك لهذه المأساة التي يتجاهلها الضمير الإنساني عن عمد، وأقول عن عمدٍ لأنه قُدِّر لي مثل غيري من الزملاء، أن نرصد وقعها من الخارج، وأن نحتمل ونتحمل الصرخات التي تصلنا من الداخل ونقرر. 

إنه لمن التعاسة أن يصبح مطلب اليمنيين أن يُنظر لكارثتهم كما ينظر العالم لكوارث الآخرين، لم يعد يهمنا من ينقذنا أو من يمد لنا يد العون فالكل منشغل بنفسه.

قد يفقد الإنسان أقرب الناس له في الحرب وفي غير الحرب، فطائر الموت قد يتخطف الجميع دون استئذان، لكن أن يقيم عشه بيننا فهذا ما لا يمكن احتماله حقًا. أبدو كالكتاب الرومانسيين وأنا أستخدم تلك الاستعارات التي عفا عليها الزمن، ولما لا؟! فما يعانيه اليمنيون اليوم توقفتْ البشرية على أن تختبر فداحته منذ زمن.

لم تعد مأساتنا في الحرب، وانعدام الأمن، والجوع، والمرض، بقدر ما هي في أننا فقدنا الثقة في كل ما آمنا به من مقولات وأفكار عن المصير المشترك، وعن قيمة الانسان، فقد أصبح اليمني اليوم فعلياً بلا أي قيمة، أي حظ هذا الذي يجعلنا نحتمل هذه التراجيديا بكل بشاعتها وحدنا دون سوانا من البشر!

لقد فقدنا الأمل في الشفقة.. هذا الشعور الذي قليلاً ما يكون غير مضرج بالذلة والمهانة، نحن اليوم الجيل الذي ظل يستمع لعبارة "الأمة في منعطف خطير" ولكن أغلبنا سقط من المنحدر والبعض ما زال يتخير الهاوية المناسبة. الألغام التي زرعها من قبلنا بدون وعي قررت أن تنفجر بوجهنا اليوم ولم تمنحنا الفرصة كي نبحث عن طريقة ننجو بها (هل هناك ألغام تمنح الفرصة لضحاياها؟). 

لم يعد الحديث عن اليمنيين قابلاً لأن يختبئ خلف المجاز أو أن يباعد المباشرة الفضة. فالضحايا أوضح من الشمس وأكثر من أن تتحاشاهم الكاميرا. إنني أكتب الآن متجاهلا تلك الأسباب التي يسوقها غيري بحجة أنها هي من أدت لكل هذا الوجع لأنه لم يعد من المهم في رأيي حاليا النظر بتلك العين التي يجب أن تكون بالضرورة عينا باردة لأن نصفها بالعين الناقدة، فالكارثة هي من يتحدث، لا التحليلات الجوفاء،

الدم لا الكلمات، اللا منطق لا العقل. إن من أبشع ما يمكن أن تحدثه هذه اللحظات الفارقة في تاريخ الأمم أن تستفز الجانب الحيواني الكامن فينا على حساب الانساني، في ردة واضحة على كل الأصعدة إلى ما قبل المجتمع الزراعي، وأعني بذلك إلى ما قبل اكتشاف الإنسان لفكرة الإستقرار وإختباره تملك الأرض والمكان، ولكن أليست المفارقة عجيبة أن يصبح تعداد اليمنيين في الخارج مقارباً لتعدادهم في الداخل في صورة فانتازيا تدعو للتأمل والدهشة.

والآن أصبح أغلب من في الداخل يعيش في سجن كبير يدعى الوطن ليصبح هو ومن في الخارج صورة واقعية لما قاله "البردوني" مرة ذات سخرية سوداء، "مواطن بلا وطن.. لأنه من اليمن". يمكن لي أن أستمر في الكتابة هكذا، حتى يوقفني هذا البياض الشاسع أو حتى تنفد مني الكلمات ولكنني قد أبدو كمن يستجدي نظر العالم. ولكنني أعلم أنه لا جدوى من أي شيء، وأخشى ما أخشاه أن يكون الأمر فعلا قد أصبح كذلك لذا سأتوقف عند هذا الحد.


عبدالله عبيد، شاعر وروائي يمني مقيم في السعودية* 

@kternma

الصورة بعدسة رحمان طه، اليمن.*

التعليقات: اترك تعليقا

* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.