حضرموت وصنعاء: الإحتماء بالطين والفن


03Nov

تتشابه حضرموت وصنعاء الطاعنتان بالسن، رغم اختلاف الجغرافيا واللكنات وبعض التقاليد. غير أن لهما رائحة مدينة واحدة، هي رائحة الطين.تقاسمت المدينتان، دور الحاميتين لليمن، فعلتا ذلك وهما تتحصنان بالطين، وتنشدان التنوع.المفارقة في مدينتي "آزال" و"شبام": أن بيوت الطين والقش -رغم هشاشتها- صمدت لقرون، أكثر من كل مدن اليمن عبر التاريخ. إنهارت منازل ومدن الحضارات السبئية والحميرية، وتدمرت قصور الملوك وقلاع التتابعة، واندثرت مدن الدويلات اليمنية المتعاقبة، ولم تحتفظ بشيء، غير مسجد أو اثنين، وبقايا حصون أثرية. 


لكن بيوت الطين في صنعاء القديمة وشبام حضرموت، قاومت كل أشكال الفناء. ربما كان الطين من أكثر الأشكال الأبدية فصاحة ومرونة، وتجانساً مع الأرض، لذلك تبدو بيوت صنعاء القديمة، كبيوت شبام حضرموت الطينية المتلاصقة ببعضها البعض، بصورة مفعمة بالحياة. لم نسأل يوما: لماذا إلتصقت جدران البيوت في صنعاء وحضرموت ببعضها البعض على هذا النحو، لدرجة لم تترك بعضها أية ثغرة لاتساع المساحات، والمسافات بين مباني الساكنين. التراص الشديد للبيوت ببعضها البعض، يحرمها من إضافة النوافذ الجانبية للمبنى. لكنه برغم ذلك يفتح نوافذ اجتماعية ضخمة بين الساكنين. ويجعل قلوب الناس واسعة، ومحبة للغاية. فحين تضيق الامكنة تتسع النفوس. حتى إن حدث وإنهار مبنى، تتأزر بقية المباني وسكانها لتفادي الخطر الجماعي. إن مدينتا الطين هذه ووفق المعيار الايكولوجي الحديث، متقدمتان على معظم مدن العالم، باعتبار صنعاء القديمة وشبام حضرموت تشكلان نموذجاً نادراً للمدن الطبيعية الصديقة للبيئة. وكلاهما حاضرتان في قائمة مدن التراث العالمي.صحيح ان التنوع اليمني العريق يحضر في كل المدن، إلا ان صنعاء وحضرموت بارعتان في تكثيف الهوية الجامعة، وتجسيد الذات اليمنية. تتقاسمان تراث فني عريق، وتركة حضارة ضخمة، وما من مدن مثلهما روضّت سكانها على الحب والتسامح، والطمأنينة. 


لعل الطين والفن هما من حمى المدينتين، طيلة كل هذه الازمنة. لسبب بسيط: أن المدن التي لا تحيا بالفن والحب؛ هي مدن فانية. وهذا بالضبط ما ميزّ صنعاء وحضرموت ليظلا مدن خالدة. فمنهما خرج كل هذا الفن الطربي العابر للأذهان، منح اليمن تراث أصيل للغاية. فمن بيوت الطين تسربت الالحان والموشحات والمواويل، وأغاني الدان، وألحان العود، وقصائد الشعر والأغنيات العظيمة.بين صنعاء وحضرموت، ارتباط أبدي؛ وحنين جارف تنقله الريح، ويحتفظ به الطين. لو تكلمتا لقالت إحداهن للاخرى: "دعيني اخدش يديك ِكي أعرف دمي"**.


بقلم: محمد الحكيمي، صحفي ورئيس تحرير مجلة "الاقتصاد الآن" - اليمن. @MohamedAlhakimi 

** مقطع من قصيدة للشاعر العراقي سعدي يوسف.

* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.