صحافي يمني.. مع الأسف الشديد


22Sep


٢٠١٥ - بين الاختطاف والإخفاء القسري والتهديد بالقتل والشروع به، يبدو التوقف عن العمل وفقدان الوظيفة، أو الهجرة، أقل الخسائر وأكثرها شيوعاً! فما إن يتم الإفراج عن صحافي حتى يعتقل آخر، وما إن تعاود وسيلة إعلامية الصدور مجدداً، حتى تحتجب أخرى أو تتوقف الأولى مرة ثانية. وما إن يتماثل صحافي للشفاء من إصابة بعيار ناري، أو اعتداء مسلحين مجهولين، حتى يحلّ محله صحافي آخر. هذا، باختصار، حال الصحافة اليمنية في الآونة الأخيرة. 

صحافي يطلق سراحه، آخر يُعتقل


لم تمض أسابيع قليلة على إطلاق سراح الصحافي جلال الشرعبي في آب/ أغسطس المنصرم، حتى أقدمت مليشيات الحوثي على مداهمة منزل الصحافي طلال الشبيبي، في العاصمة اليمنية صنعاء، الذي يعمل لدى صحيفة "المصدر" اليومية، المتوقفة والمصادَرة أصلاً، وجرى اعتقاله أمام أسرته، ومن ثم اقتياده إلى مكان غير معلوم حتى الآن. 

يأتي ذلك فيما لا يزال نحو 13 صحافياً آخر مختطفاً ومخفياً قسرياً منذ أكثر من خمسة شهور. منهم تسعة جرى اعتقالهم في صنعاء حسبما أوردت منظمة "مواطنة لحقوق الإنسان" في موقعها على الإنترنت. ولم ينقض أسبوع واحد على عودة صدور صحيفتي "الأولى" و"الشارع"، بعد ثلاثة أشهر من التوقف القسري بسبب انقطاع خطوط النقل والتوزيع بين المحافظات، وانعدام المشتقات النفطية والوقود المشغِّل للمطابع، حتى أعلنتا مجدداً توقفهما عن الإصدار بسبب تحريض صادر من صحافي وسياسي من قيادي بارز وعضو مؤثر في اللجنة الثورية العليا، اعتبر الصحيفتين ضمن ما أسماه "أدوات العدوان السعودي" على اليمن، الأمر الذي يجعل العاملين في الصحيفتين "عرضة لمخاطر حقيقية" حسب قول بيان صادر في وقت سابق عنهما. 


نقابة الصحافيين قلقة 


وأضيفت أسماء جديدة إلى قائمة الصحافيين المعتقلين والمخفيين قسرياً مطلع الشهر الفائت إثر اعتقال الكاتب والصحافي محمود ياسين وعدد من الكتاب والناشطين الحقوقيين على خلفية تنظيمهم مسيرة إغاثية لفك الحصار عن مدينة تعز وسط اليمن. إذ دعا ياسين عبر صفحته على فيسبوك، إلى تنظيم مسيرة إغاثية لإيصال المياه والمساعدات إلى مدينة تعز جراء تدهور الأوضاع الصحية والإنسانية، وانعدام المياه حد ظهور سوق سوداء للمياه في المدينة، وقد استجاب للدعوة وتحمس لها وتطوع فيها المئات، مما آثار قلق الحوثيين على ما يبدو، فداهموا الفندق الذي يقيم فيه منظمو المسيرة، قبيل ساعات من انطلاقها من مدينة إب، واعتقلوهم جميعا وكان عددهم نحو 31 ناشطاً وكاتباً. 

ورغم قيامهم بالإفراج لاحقاً عن عدد من أعضاء المسيرة، إلا أنهم يرفضون الإفراج عن ياسين ورفاقه، ويزعمون أنه كان يحاول إدخال أسلحة إلى تعز، رغم شهرته ككاتب وروائي معروف. وتواترت مؤخراً الأنباء عن تعرضه واثنين من أعضاء المسيرة للتعذيب في سجن الأمن السياسي في مدينة إب، الأمر الذي دفع نقابة الصحافيين اليمنيين للإعراب عن قلقها وخشيتها على سلامتهم.


رصاص القنص


وفي اليوم الذي كان الصحافيون اليمنيون، أو ما تبقى منهم، مجتمعون في مقر نقابة الصحافيين في العاصمة بمناسبة إطلاق "التقرير الدوري للحريات الصحافية في اليمن"، كان بعض المارة على بُعد 400 كم يحملون المصور التلفزيوني أبو بكر اليوسفي إلى إحدى مستشفيات مدينة تعز إثر تعرضه للإصابة برصاص قناصة، أثناء تغطيته وتصويره للمعارك الدائرة هناك. عدا ذلك يمتنع معظم الصحافيين الذين تم إطلاق سراحهم عن الإدلاء بأي حديث أو تصريح لكونهم أجبروا على توقيع تعهد خطي يقضي بمنعهم عن مزاولة أي نشاط إعلامي "معادي" وهو ما قد يعرضهم للاعتقال. وقد قال الصحافي حمدي البكاري مراسل قناة الجزيرة، إنها المرة الثالثة التي يتعرض فيها زميله أبو بكر اليوسفي للإصابة برصاص القناصة أثناء قيامه بتغطية المعارك في تعز، منوهاً إلى أنه وزملائه "يعملون في ظروف حرجة للغاية ومخاطر محدقة، ويتلقون رسائل تهديد شبه يومية بالتصفية والقتل، تصلهم إلى هواتفهم النقالة وحساباتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي (تويتر- فيسبوك). 

نقابة الصحافيين تعدد  الانتهاكات 

أطلقت نقابة الصحافيين اليمنيين مؤخراً تقرير الحريات الصحافية خلال النصف الأول من العام الجاري، بالتعاون مع الاتحاد الدولي للصحفيين. وقال أمين عام نقابة الصحافيين اليمنيين إن النقابة رصدت أكثر من "200 حالة انتهاك للحريات الصحافية خلال الأشهر الستة  الماضية من العام الجاري". وقال إن "حالات الاعتقال والحجز والاختطاف والملاحقة والمحاصرة للصحفيين بلغت 55 حالة مختلفة"، وطالت "صحافيين ومصورين وموزعين بنسبة 27.5 في المئة من إجمالي الانتهاكات"، مشيراً إلى أن الأشهر الستة الأولى من العام الجاري شهدت "حجب 33 موقعاً الكترونياً ومحرك بحث، بنسبة 16.5 في المئة من إجمالي حالات الانتهاك، و9 حالات إغلاق مكاتب قنوات تلفزيونية وصحف، و16 حالة إيقاف صحف ووسائل إعلام، ومصادرة آلات التصوير ومقتنياتهم. وأضاف إن هذه الحالات طالت مئات الصحافيين خصوصاً العاملين في وسائل الإعلام الحكومية كـ"الثورة، وكالة سبا، تلفزيون اليمن، إذاعة صنعاء"، الأمر الذي تسبب في فقدان قرابة 300 موظف في إذاعة صنعاء لوحدها أعمالهم حسب قوله. ومن جملة الانتهاكات التي رصدها تقرير الحريات الصحافية "21 حالة تهديد ومضايقات وحملات تشهير طالت صحافيين وصحافيات على خلفية تغطياتهم الصحفية أو التعبير عن آرائهم"، فضلاً عن تسجيل 48 حالة اعتداء على صحافيين ووسائل إعلام، واقتحام مقرات صحف وقنوات وإذاعات. ولم يقتصر ذلك على اقتحام مقار المؤسسات الإعلامية كأماكن عمل وحسب، وإنما طالت الاقتحامات أيضاً منازل ومساكن صحافيين معارضين. "ولا يزال هناك 13 صحافياً مختطفاً، بعضهم مختفون قسرياً، والبعض الآخر في معتقلات تمنع عليهم الزيارات كلياً، ودون السماح لهم بأدنى وأبسط الحقوق القانونية المتعارف عليها، بما فيها تمكين أسرهم من التواصل معهم، ولو هاتفياً، أو حقهم في معرفة التهم المنسوبة إليهم، أو تعيين محامين للترافع عنهم، أو إحالتهم إلى النيابة العامة".

وفي ظل استمرار الحرب في أجزاء متفرقة من اليمن، واستمرار الغارات اليومية لمقاتلات وطيران "التحالف العربي" الذي تقوده السعودية، يخشى الوسط الصحافي اليمني من أن يكون الإعلاميون المعتقلون محتجزين في مراكز اعتقال أمنية تابعة لميليشيا الحوثي والرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، والتي هي عرضة لتلك الغارات، على نحو ما حدث قبل شهور، عندما قُتل الإعلاميان عبد الله قابل ويوسف العيزري في غارة على موقع عسكري في جبل وهران بمحافظة ذمار وسط اليمن. 

وعلى خلفية قرار منع الصحافيين من مغادرة البلد وإيقاف الصحافية سامية الأغبري في مطار صنعاء في وقت سابق، قالت نقابة الصحافيين إن "ما يجري في اليمن من وأد للحريات الصحافية واعتقال وإخفاء الصحافيين ومصادرة حقهم في العمل والتحريض عليهم والتشهير بهم ومنعهم من السفر.. كلها ممارسات قمعية تستدعي التدخل العاجل لحماية حياة الصحافيين وحرياتهم وكل وسائل الإعلام".



بقلم الصحفي الراحل محمد عبده العبسي. @absi456

تم نشر المقال في الأول على جريدة السفير العربي، في العام ٢٠١٥

* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.