ماذا لو أنك تقف في الجانب الخطأ من التاريخ؟


ماذا لو أنك تقف في الجانب الخطأ من التاريخ؟
 04/10/2017 13:00

جدل الموقف والحياد في أوضاع شديدة التعقيد والتحوّل، بقلم الكاتب والفنان التشكيلي ريان الشيباني (الصورة من أعمال ريان الشيباني).


يعرف عشاق الأدب، الكاتب النرويجي كنوت همسون (1859-1952)، كواحد من أعظم الكتاب في القرن العشرين. لكن قليلون هم الذين اطلعوا على تاريخه كمختل وخائن.

وقد ينسب العته لبنية فسيولوجية، لكن "الخيانة ليست وجهة نظر" بالنسبة لجيل وجد كاتبه، مُصر على موقفه، في الضفة الأخرى من العالم، حيث يقف المنهزمون وراء القضبان، ينتظرهم تاريخ عصيب من عدالة جديدة. 

وبالمناسبة، فإن النازية نشأت في ذات الجو الشعبوي، وسحبت معها جيلاً كاملاً، إلى الجحيم، بمن فيهم كٌتّاب ومثقفين. جونترجراس إعترف متأخراً إنه كان ضمن قوات "شبيبة هتلر". لكن قبلها كان قد اندمج في الحشد المناهض، عندما تطلب منه الأمر إدانة ما كان عليه. قال لمجلة "باريس إنترفيو": أنا أكتب صباحاً، هتلر كان يقوم بمهامه ليلاً!

وبالنظر إلى حياة همسون، تبدو هناك؛ ذاتٌ مغرقة بالعزلة، ومصممة على موقفها. لقد وقف الكاتب فيما أعتبر، بعد العام 1945، خيانة وطنية. وهمسون، هذا الخائن، يبدو من جهة مختلفة، كجان جنيه، ورامبو، ولكوليزيو.. أحد العظماء الذين ناهضوا بمواقفهم الفكرية المركز المقدس. لكن في النهاية ما الخيانة؟ وهل يمكن للمحك الشعبوي فاعلية فيما إذا كان من يقرر هو الطرف الذي يفوز. وأنا لا أمجد النازية، ولا أحاكمها على أية حال.


في أواخر القرن التاسع عشر كان هامسون في مدينة كريستيانا، والتي تمّ تغييرها بعد الحرب العالمية الأولى، إلى أوسلو. تخرج الطالب المُجِد من الجامعة، وصار عالّة على نفسه. لم يكن الفقر والعوز وحدهما سبباً لحالة الإنكفاء والجوع الذين عاناهما. القيمة بما هي كملاذ مكتسب، لمثقف معتد بنفسه. الدراسات كشفت أيضاً أن لدى عائلة هامسون تاريخ مرضي من عزة النفس. عمله الشهير "جوع"، يفصح عن هذه القيمة بجلاء. إلى جانب قيم أخرى لا يمكن أن ترى بين سطورها الخائن أو الانتهازي.

يتذكّر هامسون بين أسطر تحفته هذه، وهي تصنف على إنها رواية "سيرة"، كيف اضطره الجوع لقضم إحدى أصابعه، ليسد حاجة بطنه للأكل. لاك أيضاً قطعة خشبية وقعت يده عليها بالصدفة، وهو يتلوى. وبين جملة الرشيقة، تراه يؤكد عفّة نفسه وزهدها: لم أكن لأعرف أن هذا سيشعرني بالتحسن. 

وقبل كتابته لهذا العمل، سافر هامسون إلى الولايات المتحدة، وبالرغم من تحدّره من أسرة فقيرة، لا يرتضي إلا أن يضع نفسه في مربع "إرستقراطية الذكاء". وهو رأسمال قيمي تتصدى من خلاله للذهاب باتجاه مديح رساميل الدولة العظمى، واقتصادها الرهيب. كتب مقالات عدّة هاجم فيها "وباء الحضارة المادية". وعندما تصاعدت الأفكار في أوروبا لمجابهة هذه الجائحة، كان هامسون في مقدمة الركب. زار هتلر، وأقام صداقة طويلة مع وزير دعايته. ثم بعدها بسنوات وجد نفسه على جانبين نقيضين من حكم التاريخ عليه: مفكر وأديب عبقري، و حائز على نوبل 1920. وفي الجهة المقابلة، وحيداً، في مجابهة الجماهير، ومن ورائها أنظمة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وجهت إليه تهمة التآمر مع "العدو" لاحتلال بلاده. برأته المحكمة، لكنها لم تستطع أن تخلع عنه ثوب الخيانة، بشكل تام، وهو ما اضطرها لإبرام صفقة: دفع هامسون مبلغ من المال، وأكمل عمره، حزيناً ومنبوذاً، ومتنقلاً، بين منزله والمصح الذي وضع فيه.


جدلية الحياد

أطل هامسون برأسه، من بين نماذج عالمية عدة، وأنا أحاول تعريف ما يمكن أن يعتبر موقفا، في أوضاع منطقة- ما بعد "الربيع العربي"، وفي ظرف شديد التعقيد، ومتشابك.

ففي اليمن، دخلت الأوضاع حالة من الحرب الشاملة بداية العام 2015. دخول السعودية المباشر على خط المعركة، قسّم البلد بشكل حاد بين طرفين. هادي والسعودية، أو الحوثيين وحليفهم صالح. بينما وجد قلّة من النخب أنفسهم بين معركة، إعتقدوا أنها لا تعنيهم، وبالتالي، وقعوا ضحيّة للأطراف المتصارعة، والتي رأت في بقائهم داخل المنطقة الرمادية تهديد لمصالحها. 

فعلى مدى مايقارب العامين، تشن لوبيهات ومراكز وأفراد حملات منظمة، من شأنها استهداف العمل الحقوقي المحايد، وكذلك الأصوات التي نأت بنفسها عن منطق السلاح. فمناصري هادي والحملة الجوية السعودية أطلقوا تسميات عدة على من كانوا قبل هذه الحرب زملاء لهم في العمل الوطني، ومنها: المحايدين، والشبكة الناعمة للإنقلاب وجمعية الرفق بالقناصة، والمقاوم ناشط حقوقي. 

ومع أني لست بصدد تبرئة أحد، فهناك بالفعل أشخاص استخدموا "حيادهم السلبي"، مظلة للتستر، حرصاً منهم على "زواج كاثوليكي"، مع "الحرس القديم"، إلا أن الأمر ذاته ينطبق على كثير من مدمني السلطة المحسوبين على هادي وحلفاؤه.

الطرف الآخر، المتمثل بمؤيدي جماعة أنصارالله، لم يعدم اصباغ أوصاف وتهم من شأنها التأثير على "المحايدين"، أو التحقير من شأنهم. وهو ما حدا بالبعض للعودة لمراجعة تاريخ الحياد، لمجابهة هذه الحملة.

وردت لفظة الحياد، في أول أدبيات العمل الوطني، في الهدف السادس، لثورة سبتمبر اليمنية (1962)، وأرتبط بلفظة أخرى، أي: الحياد الإيجابي. وهذا الهدف أقر على أول جمهورية بالتزام حالة الحياد الإيجابي بشأن قضايا العالم، وعدم الانحياز، والعمل على إقرار السلام وتدعيم مبدأ التعايش. أحد الأطراف الحالية المُجرِّمة للحياد، تدّعي أنها بصدد إستعادة ثورة سبتمبر، التي تقول أنها اختطفت بانقلاب الحوثيين وشركاؤهم على نظام الحكم.

لكن لبعض الشباب رأي مختلف، يقول الصحفي معاذ المقطري، وهو من شباب ثورة 11 فبراير 2011 : الحارث ابن عباد وقف محايدا حيال حرب البسوس ولم يلعنه التاريخ بقدر ما خلد مقولته: " لا ناقة لنا فيها ولا جمل "، ومنه ظل يرتعد الزير سالم إلى أن لقي حتفه على يديه التي وضعت نهاية لأطول حرب في التاريخ.


الروائي علي المقري، أيضاً أبدى انزعاجه من الحملة على "الحياد"، فيقول:

إمّا أن تكون معي أو معي صارت مقولة مكشوفة بغطرستها وهمجيتها وإن التوى أسلوب طرحها، فمع بشاعة الجرائم التي ترتكبها أطراف الحرب، يبدو لي أن من حق أي أحد أن يقف في موقع الحياد وأن لا يكون في أي جبهة للقتل أو للدعاية السياسية، بل من حقه حتى أن يلجأ إلى الصمت وأن لا يُطالب بأي موقف ضد ضميره الخاص.

ويضيف: إن التقليعة المنتشرة ضد المحايدين في اليمن ناتجة على جهل فادح بهذه التجربة الإنسانية وغباء سياسي لا مثيل له [يمكن الرجوع إلى جوجل ليعطينا الكثير من المقالات والكتب عن تاريخ الحياد ومفاهيمه]، وإذا كان هناك من يستغل فكرة الحياد ليبرر لجهة ما فعلها الإجرامي فيمكن الإشارة إليه بشكل واضح دون الانتقاص من فكرة الحياد الإنسانية والتي نحن الآن بحاجة إليها لتقصي جرائم الحرب التي ارتكبتها كل الأطراف.


مسمار التدخل الإقليمي

ينطلق الوعي في إدخال كلمة الحياد إلى حياة اليمنيين، من التجربة التي اكتوت بها البلد إثر تدخل المتصارعين الإقليميين في مسار ثورة 26سبتمبر 62م. 

فمصر دعمت الثوار، ومدتهم بالقوات والسلاح، فيما دعمت السعودية الملكيين، ومدتهم بـ"المرتزقة" والسلاح. وبفعل الأخيرة انتهى الحال بالثورة إلى شكل مخيّف من تحالفات الحكم التوافقي، ابتلعت خلاله القوى النظامية المتجذرة، الأخرى الناشئة والحالمة. 

وحتى وقت قريب، كانت القوى الشعبية والمدينة، تنظر إلى السعودية على أنها طرف غير نزيه داخل مسار الأزمة، وقد كٌرست، في الوعي الشعبي الجمعي، مكانها كدولة متآمرة. ولم تتوانى عن أن ترسّخ تعريف نفسها داخل هذا الإطار. دعمت القبائل والنافذين، وتجاهلت السخط المتزايد، على سياساتها العرجاء. وحتى الثورة الثانية 2011، بدت وكأنها مناهضة لأي عمل شعبي: حرصت على منح صالح ونظامه حصانة، وأبقت على حظوظه المرتفعة بالانقلاب، ثم اكتوت به.

هذه الممارسات أعطت إنطباعاً لدى العامة، من أن "أصدقاء النظام السعودي" يقفون، بالضرورة، في الجانب الخطأ من التاريخ. 

وعلى ما تضعه الحروب الكبيرة من تأثيرات في الوعي العام، قصفت الطائرات السعودية اليمن، في أواخر  مارس2015، بعيد اجتياح الحوثي للعاصمة. نأى الكثيرون بأنفسهم من أن يكونوا غطاء لآلة طالما وقفت لأكثر من قرن، ضد ما كانوا يريدونه، وكان آخره كسر إرادتهم بالتغيير بالأدوات السلمية. 

لم تتجاوز فوضى السلاح سنة، كان عندها الضخ الطائفي قد أحدث شرخاً في النسيج الاجتماعي. فانحصرت الفوبيا المتعلقة بكينونة ما تعنيه السعودية كنظام رجعي، لصالح ما أعتبر بوادر نوايا حسنة تم الترويج لها لشرعنة القصف الجوي.

لكن لم يعني هذا، كسر كامل إرادة الشباب الذين تجنبوا مناصرة "الحليف" الخارجي، وأبقوا على مواقفهم المنددة بإنقلاب صالح-الحوثيين، والعودة بالأمور إلى مرحلة ما قبل الدولة.  

هذا الأمر لم يرق للقوى التي اندمجت بكل ما لديها مع الآلة السعودية، ولذا لجأت -بدافع من عقدة الذنب- لقلب الطاولة والجلوس عليها: بدت اتهاماتها حادة ومجنونة للتنفيس عن الضغط الذي يولده اشتداد النزاع. ومن عبارات التنفيس هذه، لطالما رددوا مقولة مارتن لوثر كنج: أسوأ مكان في الجحيم محجوزٌ لهؤلاءِ الذين يبقون على الحياد في أوقات المعارك الأخلاقيّة الكُبرى. وتناسوا-عمداً- أن معركة "مارتن"، كانت ضمن ثقافة اللاعنف.

الحوثيون وأنصار صالح، لا تعني لهم عقدة "تبكيت الذات" شيئاً، وهم "اللوبي"، الذي لا يلقي بالاً للجماهير، إلا عندما يتعلق الأمر بمصالح ثلة قليلة، اعتقدت الغباء والجهل الفطري بهذه الأمة. مع ذلك استخدموا كل ما لديهم للتنكيل بـ"المحايدين"، للجم الأفواه التي تسلط الضوء على نهب السلطة والثروة، وتوزيعها على "أقطاعياتهم القروية"، بالتساوي.

نعتوا هذه القوى، والمعارضة لهم بالضرورة، بالارتهان لـ"الرجعية" وبيع ضمائرهم بالمزاد، باعتبار أن "الارتهان" يجب أن يكون حكراً عليهم، كمحتكري سلطة وحق إلهي وتاريخي. ويسند مصداقية هذا الطرح، التهافت الذي أبداه مسؤوليهم من مبادرات سعودية للتصالح معهم، من ذلك اتفاق ظهران الجنوب.


موقف اللاموقف

باعتبار أن الحقّ صار مرتبطاً بشكل لصيق، بمفهوم القوة. تضع كل القوى السياسية المتصارعة في البلد نصب عينيها: ماذا لو كنت أقف في الجانب الخطأ من التاريخ. 

هذا ما جعل أعضاؤها ومؤيديهم نهباً لحالة من الحركة والتحوّل الدائمين. فأحمد عبيد بن دغر، وقف مع صالح وحزبه حتى آخر لحظة. ويعود إليه الفضل بتذكير الرئيس السابق صالح بموضوع أعتبره أخلاقي ويحط من قدر الثوار، حين همس في أذن الرجل وعلى الهواء مباشرة، وأمام جمع غفير من مؤيديه: الاختلاط، الاختلاط. وعندما بدأ الطيران السعودي أول غاراته، إستطاع بن دغر -بخدعة الوساطة- النفاذ بجلده إلى سلطنة عمان، ومن ثم السعودية. واليوم يمثّل الرجل رئيس وزراء الجانب "الشرعي"، بينما أصبح د. عبدالعزيز بن حبتور رئيس وزراء "سلطة صنعاء"، وهو الرجل الذي رافق عبدربه منصور هادي في عدن، وإلى ما قبل ساعات من هروب الأخير إلى عمان. 

بن حبتور هو الآخر، استلم مبالغ كبيرة من السعودية قبيل سقوط المدينة، ووزعها على مسلحين انتهى بهم الأمر لنهب معسكرات الجيش بدلاً عن حمايتها.

وبعد انتهاء مهمته بالفشل، واعتقاده أن الأمر حسم، وصار صالح يحكم، توجهه شمالاً إلى "الأعداء". ولو كان قدّر له أن يتنبأ بالتدخل السعودي، لكان مقيماً في أحد فنادق الرياض، بدلاً من الظهور من على شاشة قناة تلفزيونية مُغتصبة، ليهجو-مرغماً- ما صار عليه زملائه السابقين، من التخمة والخَرَف. لكن-في النهاية- يعرف أنصار الطرفين أنه بوسع بن دغر وبن حبتور، أن يكونا كل شيء، إلا أن يصيرا وطنيين. الكل يعرف ذلك، فعن أي موقف يجب الحديث؟


*بقلم: ريان الشيباني، كاتب وفنان تشكيلي - اليمن. 

@ryanalshibany 

* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.