في جبهة تعز.. بلال الذي يفضّل حوريات الدنيا


في جبهة تعز.. بلال الذي يفضّل حوريات الدنيا
 22/09/2017 14:05


*٢٠١٦ - العام 2011 كان، وبإمتياز، عام التحولات الكبرى، على الصعيد العام والشخصي بالنسبة للكثيرين. ولا ادري ما كان الشخصي وما كان العام بالضبط في تلك السنة.. تبقى الصداقات التي كونتها في ذلك العام هي العزاء الوحيد لخيبات الأمل المتتالية التي لحقت الأحلام الكبرى التي حلمنا بها جميعنا وشاهدناها تتحطم واحدة تلو الأخرى خلال الأعوام اللاحقة. صداقات تكونت على الأرض وفي الفضاء الافتراضي. فجميعنا أبناء الانترنت وجدنا مساحة لا متناهية للإلتقاء والتفكير معاً والعمل معاً.  


بعض تلك الصداقات الانترنتية الثورية، إن لم يكن أغلبها، بقي حبيس "فايسبوك" و"تويتر"، ولم يتكلل باللقاء الفعلي على الأرض لأسباب جغرافية، ومنها صداقتي مع بلال. بلال الشاب الجامعي من مدينة تعز. تعز التي كانت قلب الإنتفاضة اليمنية ضد حكم علي عبدالله صالح، والتي أتت كرد فعل متوقع وكجزء من الربيع العربي، ومنها ظهر شعار "يا علي عطف فرشك… من تعز يسقط عرشك"، في إشارة لكون تعز المدينة التي بدأ منها بروز نجم علي عبدالله صالح عندما كان قائد لواء تعز في العام 1975. وكبقية أبناء تعز واليمن عموماً، شارك بلال في المظاهرات المناهضة لحكم علي عبد الله صالح الذي جثم على صدور اليمنيين أكثر من ثلاثة عقود، فنهب البلاد وعمل متعمداً على عدم إخراجها من فقرها، ليتسنى له التسول وإبتزاز الدول المجاورة وغيرها بإسم فقر اليمنيين. 


ولمّا كان الخوف من حمل الشباب للسلاح يتركز على شباب مناطق شمال الشمال، لم يفكر أحد ولو للحظة، بتحول تعز إلى ساحة قتال، رغم التنكيل الذي أصاب المدينة من قبل قوات صالح التي ناهيك عن قصفها العشوائي للمدينة، قامت في أواخر مايو/أيار2011 بمحرقة بحق شبابها عندما حُرقت خيام ساحة الاعتصام فيها. تلك المحرقة التي كانت نقطة تحول، ليس في حياة أهل تعز وحدهم، وإنما للكثيرين، ولي أيضاً على الصعيد الشخصي، إذ تأكدت من دموية وقسوة النظام الذي نواجهه. وكان إرتكابه لمجزرة "جمعة الكرامة" في آذار/مارس2011 في صنعاء، بداية فاجعة لكل اليمنيين الذين لطالما ظنوا أنهم "ألين قلوباً وأرق أفئدة". لم يفكر بلال وقتها في حمل السلاح، خصوصاً بعد تحقق المبادرة الخليجية التي حاولت تفادي الإنزلاق إلى حرب أهليّة شاملة، وضمنت خروج غير مهين لعلي عبدالله صالح، ضاربة عرض الحائط بآمال اليمنيين في تحقق العدالة اخيراً بعد سنوات من الظلم المستمر، فيما تبيّن لاحقاً ان المبادرة تلك كانت وصفة أوليّة للإنهيار الشامل الذي نشهده اليوم. 


خلال الأعوام الفاصلة بين خروج علي عبد الله صالح من السياسة -بشكل ظاهري فقط- وإقتحام الحوثيين (بغطاء من صالح) لها، تفتت حماسة الجميع للثورة وإستبدلناها بإحباط تخللته لحظات من الإيمان بإمكانية التغيّير في بلاد، لكنها خلافاتها السياسية كانت دوماً تفضي إلى نهايات دموية. إنفضّت الغالبية العظمى من حول الثورة واتجهت إلى همومها الشخصيّة. منا من ترك البلاد ومنا من توجه لإكمال دراسته أو البدء بمشاريع خاصة تعزّي فقدان المشروع العام لنهضة اليمن. بلال إتجه إلى الحب. 


توقف بلال عن التغريد عن الثورة والمظاهرات والاعتصامات، وإكتفى بتغريدات تحت وسم "#بوح"، كان يحكي فيها عن قصة حب جميلة او بتغريدات عن أغاني الحب. وعندما سألته عن حبه الجديد، قال لي انه حب من طرف واحد. فتاة تدرس في الجامعة واكتشف انها تتردد على مقهى أحد الأصدقاء الثوريين من تعز والذي اتجه بعد الثورة لمشروعه الثقافي الخاص بإنشاء مقهى ينظم قراءات وأمسيات موسيقية نظراً لحبه للموسيقى الذي توّجه بتعلم العزف على آلة العود. 


صديقنا هذا كان يقاوم حرب الحوثيين الشرسة على مدينته بالموسيقى، وينشر فيديوهات له وهو يعزف العود تزامناً مع موجات القصف المدفعي الحوثي على المدينة، بعدما قامت الجماعة المتمردة بالإستيلاء على العاصمة في خريف2014 وبدأت الزحف جنوباً. بلال إختار طريقاً آخر، وقرر الإنضمام للمقاومة المسلحة لزحف الحوثيين على مدينة تعز. لم أفهم سر التحول هذا، لكنّه فسره ببساطة بتفضيله القتال على العيش تحت تحكم جماعة مناطقية طائفية عنصرية.  اليوم ينشر بلال تغريدات عن تقدم المقاومة في تعز في جبهات القتال. إختفت تغريداته عن الحب وأغانيه، مثلما إختفت الفتاة التي أحبها بعد إغلاق المقهى بسبب الحرب، والقضاء على أحلامه بالعمل في المقهى كي يجد اي طريقة للحديث معها. 


يعترف بلال بأنه لم يعتقد أن يطول أمد الحرب أكثر من ثلاثة أشهر، لكن فقدانه للعديد من الأصدقاء في جبهات القتال هو ما يدفعه إلى الإستمرار. يدافع عن مدينته بطريقته، بعدما إقتنع بأن السلميّة ليست حلاً. يتحدث المقاتلون الإسلاميون مع بلال، الذي لم يخرج للقتال بإسم دين او طائفة وإنما خرج للدفاع عن مدينته. لكنه، عن الحور العين، يقول لي إن حوريات الدنيا أجمل، وأنه يحلم بعودة الحياة إلى مدينته، وعودة فتاة الجامعة إلى المقهى.



*بقلم: أمل ناصر، تم نشر المقال في الأول على موقع المدن بتاريخ ٢٦ نوفمبر ٢٠١٦. 

@Amal_Nasser 

* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.