قراءة في الشعر الحُميني (الجزء الأول)


قراءة في الشعر الحُميني (الجزء الأول)
 30/11/2017 08:42

كان القرن السابع الهجري مرحلة جديدة في تاريخ شبه الجزيرة، و تاريخ اليمن بشكل خاص، حيث شهدت اليمن منذ أوائل القرن السابع نشاطاً سياسياً متزايداً لإقامة دولة الرسوليين المستقلة عن مصر والشام بعد سقوط الحكم الأيوبي فيها. وهو العصر الذي شهد ظهور شعر العاميّة في اليمن، أو ما بات يعرف بالشعر "الحُميني".

يأتي الحميني ضمن أربع تسميات مختلفة للشعر العربي أو الشعر الشعبي كما هو متعارف عليه في الوقت الحالي، مايعرف بالشعر الملحون أو الزجل أو الشعر القومي، أو كما يعرف في نجد بالشعر النبطي.


و الحُميني هي التسمية الشائعة في اليمن لشعر العاميّة وقد يجهل البعض معنى وسبب تسمية هذا الشعر. ولا يزال الإسم محل خلاف وجدل منذ ربع قرن أو يزيد، ولم يُسفر البحث عن شيء أكيد. إلا أن الباحث اليمني "عبد الجابر نعمان باجل" ذكر في كتابه "الشعر الحميني الريادة والأصول" أن نسب هذه التسمية يرجع إلى قرية الحُمينية في مخاليف الحُدَيدَة الواقعة على السواحل الغربية لليمن.

لكن مهما اختلف الباحثون على سبب التسمية، يتفقون على أن الحميني -شعر العاميّة- كان ولادة ثانية في تاريخ القصيدة اليمنية، والوجه الآخر للعملة الشعرية حيث أن الوجه الأول من العملة هو الشعر الفصيح.


ظهر شعراء العامية في اليمن و أعادوا للشعر ماكان قد فقده من تلقائيّة وصِدق شعوري وفنّي، وقد تمكنوا من أن يصلوا بشعر العامية الى درجة عالية، بما أظهروه في قصائدهم من صور التعبير التقليديّة و المبتكرة. كان شعر العاميّة - بعكس الفصيح - أقرب للفطرة  وأكثر صدقاً مع النفس، و أكثر إتصالاً بالمشاعر دون إسراف أو مبالغة في تصنّع البديع أو افتعاله. و استطاع شعراء الحُمينية من خلال معايشتهم للناس أن يسايروا تطور الحياة، و يؤكدوا أن من مساوئ الشعر الفصيح الإنعزال عن تيّار الحياة.


المعروف أن روّاد الحُميني الأوائل والأكثر تأثيراً وشُهرة ثلاثة. هم أحمد بن محمد فليته، عبدالله بن أبي بكر المزاح و أبو بكر العيدروس. ومن خلال قراءتي لكتابيّ "شعر العامية في اليمن" للشاعر عبد العزيز المقالح و "رحلة في الشعر اليمني" لشاعر اليمن عبد الله البردّوني أحببت أن اُظهر نماذج أُخرى لشعراء الحميني ممن أرى أنّ قصائدهم هي الأجمل من ناحية عذوبة اللغة وتوهّج العاطفة.


 محمد عبدالله شرف الدين


كان الشاعر محمد عبدالله شرف الدين، أكثر شعراء العاميّة استخداماً للرموز اللفظيّة في شعره، فهو لا يشير في قصائده الغزليّة إلى الحبيب بشكل مباشر، إنما يرمز إليه بالشادن أو الغزال أو الغزيل، ولعل هذا ما تميّز به عن بقية الشعراء حيث أن أشيَع الرموز اللفظيّة كانت القمر و البدر.

محمد عبدالله شرف الدين، شاعر الحب ومغنّي الجمال كما يحب ان يسميه الدكتور عبد العزيز المقالح.

ولد شرف الدين في مدينة الفن و الجمال ومنبع الشعراء "كوكبان" من أسرة إمامية ارستقراطيّة مالكة.

ولأنه وجد نفسه في مجتمع منغمس في الحروب وفي أسرة خاض أفرادها حروباَ طاحنة وصراعات ضد منافسيهم من الأئمة، احتفظ لنفسه بموقفٍ مخالفٍ عنهم.

فكان نديم الهوى و الجمال، رفيقُ الشعرِ والطرب، كان يهرب من الواقع إلى الشعر، ومن الشعر إلى الحب. وله حكايات كثيرة عن تجاربه في الحب، وتجد أنّ كل قصيدة من قصائده نابعة من تجربة ذاتية والقليل منها فقط كتبه على لسان بعض المحبين.

من أبرز قصصه في الحب، حكاية روتها زوجته ونظم على اثرها قصيدة تغنّى فيها العديد من فنانيّ اليمن. روت زوجته انّه فتن بفتاة ذات جمال ويريد الزواج منها لكنه لم يتمكّن بسبب صغر سنّها، ولما رأت زوجته حاله وغلبها الظّن أخذت المصحف لتستحلفه، واضطرته الى القسم ليعترف بانه لا يحب كما يزعم، فحلف ونظم بعد ذلك قصيدة " عليك سمّوني و سمسَموني". 

وله العديد من القصائد الغنائية التى تغنّى بها الكثير من فنانيّ اليمن منها :

"حميّمة-معشوق الجمال- يامن سلب نوم عيني" وغيرها الكثير. 

وله ديوان غاية في الانسجام و الرقّة معظمه من الشعر الحميني، كذلك شعره الفصيح كان متين السبك و جيّد العبارة، لكن لم يطبع ديوان شعره الفصيح لأن شهرة أشعاره العامية غطّت واستثارت بإهتمام معاصريه و اهتمام الأجيال التي تلت. 

وقد اتهمه الكثير بسبب نزعته الصوفيّة، بأن ما قاله في قصائده الغزلية كان على الطريقة الصوفية، لكنه سرعان ما انكر بقوله أن الحب سبب إلهامه.

" سوا سوا يا عباد الله متساوية

ما حد ولد حر و الثاني ولد جارية"


غزال المقدشيّة


ولدت غزال في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر للميلاد في قرية "اسبيل"، إحدى قرى المقادشة الواقعة في عنس، شاعرة ريفيّة جهيرة الصوت، اتخذ بعض شعرها طابع الأحكام وخالفت الشعراء في ذلك الوقت في طريقة النظم و الخروج بالشعر من دائرة البيئة إلى القضايا الإجتماعيّة.

كانت أكثر نساء هذه المرحلة تأثيراً وشهرةً في مجال القصيدة العامية في اليمن، وظهرت غزال في عصر لم يكن تعليم المرأة فيه معروفاً، بل كان طوال العصر الوسيط أشبه بالكبائر، في حين كان الحديث عن أو مع المرأة  أقرب الى التحريم.

وقد نظم شاعر القصيدة الفكاهيّة علي بن حسن الخفنجي، ابياتاً يوجّه فيها نار سخريته الى الأباء الراغبين في تعليم بناتهم و يقول:

" قالوا قد الغـيد بتقرأ يا عماد

مـا قد سِمعنا بـحرمة قارية "

رغم ذلك لم تمنعها ظروف البيئة الخاصة ولا ظروف اليمن عامة، ولا أُميّتها من أن تضع اسمها بجدارة في قائمة المشاهير من شعراء العامية في اليمن.


ظبية النميريّة

في الفترة التي نشأت فيها المقدشيّة، نشأت معها في منطقة الحداء بمحافظة ذن حاليا ، الشاعرة القرويّة ظبية النميريّة، لكن أشعار ظبية اقتصرت على القرى المجاورة لقريتها، على عكس غزال في تلك الفترة كانت اسيَر في المدن، لكونها تتنقل من مدينة لأخرى.

اشعار ظبية على قلّتها الا انها تعتبر من صنعة الحُميني القبلي وهو الأقرب الى الرجز*. ويعتبر شعرها جيّد على قلّته، وغير هام لقلّة اهتمام الشاعرة بموهبتها.

اما غزال فقد كانت أكثر إنتاجاً في الشعر حتى دخلت تاريخ الشعر العامي، و من هنا خُلِّدَ إسم غزال المقدشية وخُلِّدَت اشعارها، على عكس ظبية المنسيّة والغير معروفة.


هذه نماذج بسيطة، وتعتبر قطرة من بحر الشعر الحُميني. وبهذا نستطيع القول أن روّاد القصيدة العامية في اليمن - وهم كُثُر - استطاعوا أن يحققوا من الشهرة والشيوع مالم يُحقق للقصيدة الفصحى ذاتها، و أن يجعلوا إيصال القصيدة العاميّة الى القلوب و الأسماع سهلاً و ميسّراً.


بقلم/  سـاره البردّوني ؛ اليمن @albradoni


المراجـع :

كتاب شعر العامية في اليمن؛ عبدالعزيز المقالح

كتاب رحلة في الأدب اليمني قديمه و حديثه؛ عبدالله البردّوني.

مقال " سفينة كولان " لـ Julien Dufour

*الرجز بحر من بحور الشعر العربي، وهو فن شعبي أتى من البادية، و هو اقرب الى الاهازيج التي تردد في الريف اليمني وقت حصد المحاصيل. 


* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.